يشهد الفن المعاصر تحوّلًا ملحوظًا نتيجة التطور السريع في التقنيات الرقمية، الأمر الذي أفرز أنماطًا جديدة من الإنتاج الفني تقوم على التكامل بين الرسم التقليدي والأدوات الرقمية الحديثة. ولم يعد هذا التكامل يُعدّ تناقضًا بين الأصالة والمعاصرة، بل أصبح مساحة إبداعية تجمع بين الحس اليدوي، والمهارة التقنية، والرؤية الفكرية المعاصرة.
يمثّل الرسم التقليدي الأساس الجوهري في تكوين الفنان، إذ يرسّخ مفاهيم الخط، والتكوين، والنِسَب، والظل والنور، ويُنمّي الحس البصري والقدرة على الملاحظة الدقيقة. هذه المهارات تشكّل قاعدة معرفية وبصرية لا يمكن الاستغناء عنها، حتى في ظل استخدام البرامج الرقمية المتقدمة. فالفنان الذي يمتلك أساسًا قويًا في الرسم التقليدي يكون أكثر قدرة على توظيف التقنيات الرقمية بوعي فني ونقدي.
في المقابل، أتاحت التقنيات الرقمية للفنانين إمكانات واسعة في التجريب والتطوير، من خلال برامج الرسم والتصميم الرقمي التي توفّر أدوات مرنة للتحكم بالألوان، والطبقات، والتأثيرات البصرية، مع إمكانية التعديل المستمر دون إلغاء العمل الأصلي. وقد أسهم ذلك في تسريع عملية الإنتاج الفني، وتوسيع مجالات التعبير، وفتح آفاق جديدة للعرض والنشر والتواصل مع الجمهور.
ويكمن جوهر التكامل بين الرسم التقليدي والتقنيات الرقمية في توظيف كل منهما بما يخدم الفكرة الفنية. إذ يعتمد العديد من الفنانين على الرسم اليدوي في المراحل الأولى من العمل، مثل الاسكتشات والتكوينات الأساسية، ثم ينتقلون إلى المعالجة الرقمية لإضافة العمق، أو اللون، أو المؤثرات البصرية، مما ينتج أعمالًا فنية تجمع بين دفء اللمسة الإنسانية ودقة التكنولوجيا الحديثة.
على الصعيد الأكاديمي، يسهم هذا التكامل في تطوير المناهج التعليمية في كليات الفنون، من خلال الجمع بين التدريب العملي التقليدي والتعليم الرقمي، بما يعزز مهارات الطلبة ويؤهلهم لسوق العمل الفني المعاصر. كما يدعم هذا النهج الابتكار، ويشجع على التعلّم المستدام، ويواكب التطورات التقنية دون التخلي عن الجذور الفنية الأصيلة.
وانطلاقًا من ذلك، ينسجم التكامل بين الرسم التقليدي والتقنيات الرقمية مع هدف التنمية المستدامة الرابع: التعليم الجيد (SDG 4)، عبر توفير تعليم فني شامل وعالي الجودة، يدمج المعرفة النظرية بالتطبيق العملي، ويعزّز الإبداع، والابتكار، والمهارات الرقمية، بما يسهم في إعداد فنانين قادرين على التفاعل مع متطلبات العصر والحفاظ على الهوية الفنية في آنٍ واحد.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .