يُعد تمكين القضاء أحد الركائز الأساسية لتحقيق العدالة للجميع ضمن إطار التنمية المستدامة، ولا سيما في ضوء الهدف السادس عشر الذي يركز على بناء مجتمعات سلمية وتعزيز المؤسسات القوية والفعالة. فالقضاء المستقل والنزيه يمثل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق والحريات، ويشكل الأساس الذي تُبنى عليه الثقة بين المواطن والدولة، وهو عنصر لا غنى عنه لتحقيق الاستقرار والتنمية الشاملة.
إن تمكين القضاء يبدأ من ضمان استقلاليته عن أي تدخلات سياسية أو اجتماعية، لأن القاضي الذي يعمل في بيئة مستقلة يكون أكثر قدرة على إصدار أحكام عادلة تستند إلى القانون فقط. استقلال القضاء يسهم في تحقيق المساواة أمام القانون، حيث يشعر جميع الأفراد بأن حقوقهم مصونة بغض النظر عن مكانتهم الاجتماعية أو الاقتصادية. وهذا الشعور بالعدالة يعزز الانتماء الوطني ويحد من النزاعات، مما يهيئ بيئة مستقرة تسهم في دفع عجلة التنمية.
كما يرتبط تمكين القضاء بتطوير البنية المؤسسية للجهاز القضائي من خلال تحديث التشريعات وتوفير الموارد البشرية والمادية اللازمة. فالقضاء الفعال يتطلب قضاة مؤهلين ومدربين تدريباً مستمراً على المستجدات القانونية والتقنية، إضافة إلى وجود أنظمة إدارية حديثة تسهم في تسريع الفصل في القضايا وتقليل التراكم القضائي. إن العدالة المتأخرة تُعد شكلاً من أشكال الظلم، ولذلك فإن تسريع الإجراءات القضائية يمثل جزءاً مهماً من ضمان العدالة للجميع.
ولا يمكن فصل تمكين القضاء عن تعزيز مبدأ سيادة القانون، إذ يؤدي التطبيق العادل للقوانين إلى الحد من الفساد وتعزيز الشفافية في مؤسسات الدولة. عندما يدرك الأفراد أن القانون يُطبق على الجميع دون استثناء، تتراجع مظاهر الجريمة ويزداد احترام النظام العام. وهذا ينعكس إيجاباً على المناخ الاستثماري والاقتصادي، لأن الاستقرار القانوني يشجع على الاستثمار ويخلق فرص عمل، وهو ما يدعم أهداف التنمية المستدامة.
كما أن الوصول العادل إلى القضاء يُعد من الجوانب الجوهرية لتمكينه، فتمكين الفئات الضعيفة من اللجوء إلى المحاكم والدفاع عن حقوقها يعزز العدالة الاجتماعية ويقلل من الفجوات داخل المجتمع. وتوفير المساعدة القانونية ونشر الوعي القانوني يسهمان في تمكين الأفراد من معرفة حقوقهم وواجباتهم، مما يقلل من النزاعات ويعزز ثقافة القانون.
وفي الختام، فإن تمكين القضاء لا يقتصر على كونه مطلباً قانونياً فحسب، بل هو ضرورة تنموية تسهم في تحقيق العدالة والاستقرار والسلام المجتمعي. ومن خلال قضاء مستقل وفعال يمكن للدول أن تبني مؤسسات قوية قادرة على حماية الحقوق وتحقيق التنمية المستدامة التي تضمن مستقبلاً أكثر عدلاً وإنصافاً لجميع أفراد المجتمع.
جامعه المستقبل الاولى في العراق