الملخص
تُعدّ المضادات الحيوية من أعظم الاكتشافات في تاريخ العلوم الطبية، إذ أنقذت ملايين الأرواح ومنعت معاناة لا تُحصى. ومع ذلك، فإن فعاليتها تتعرض للتهديد بسبب أنماط سوء الاستخدام والاستخدام المفرط والوصفات غير المناسبة، مما أدى إلى تسارع ظهور مقاومة المضادات الحيوية. يشكّل الممرضون، الذين يمثلون أكبر فئة في القوى العاملة الصحية على مستوى العالم، محوراً أساسياً في مواجهة هذه الأزمة. فمن خلال الرعاية المباشرة للمرضى، والوقاية من العدوى، وتثقيف المرضى، والمشاركة في برامج ترشيد استخدام المضادات (Antimicrobial Stewardship Programs)، يساهم الممرضون بشكل جوهري في الاستخدام الآمن والعقلاني للمضادات الحيوية.
تتناول هذه المقالة الأدوار المتعددة للممرضين في إدارة المضادات الحيوية، وتثقيف المرضى، ومراقبة العدوى، والتعاون داخل الفرق متعددة التخصصات، كما تسلط الضوء على التحديات والمعوقات والأبعاد الأخلاقية والاستراتيجيات الكفيلة بتعزيز دور التمريض في مكافحة مقاومة المضادات الحيوية.
الكلمات المفتاحية: المضادات الحيوية، الممارسة التمريضية، ترشيد استخدام المضادات، السيطرة على العدوى، مقاومة المضادات الحيوية، سلامة المرضى، التثقيف الصحي.
1. المقدمة
أحدثت المضادات الحيوية ثورة في مجال الرعاية الصحية الحديثة، حيث أسهمت في خفض معدلات الوفيات الناتجة عن أمراض معدية مثل الالتهاب الرئوي والسل والإنتان. إلا أن الاستخدام غير الصحيح والمفرط لها أصبح تهديداً خطيراً للصحة العامة على مستوى العالم.
ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية (WHO، 2023)، تُعد مقاومة المضادات الحيوية من بين أخطر عشرة تهديدات صحية عالمية، إذ ترتبط بنحو خمسة ملايين حالة وفاة سنوياً.
يتمتع الممرضون بموقع فريد يؤهلهم للتأثير المباشر على استخدام المضادات الحيوية، نظراً لتواصلهم المستمر مع المرضى ومشاركتهم في اتخاذ القرارات السريرية. وتشمل مسؤولياتهم ضمان الاستخدام الصحيح للمضادات، وتثقيف المرضى، ومنع انتشار العدوى، والدفاع عن الممارسات المبنية على الأدلة. لذا فإن دور التمريض أساسي في الحملة العالمية لترشيد استخدام المضادات الحيوية.
2. فهم مقاومة المضادات الحيوية
تحدث مقاومة المضادات عندما تطور البكتيريا آليات تجعلها قادرة على مقاومة تأثير الأدوية المضادة لها، ويحدث ذلك عبر الطفرات الجينية أو انتقال الجينات المقاومة أو التعرض المتكرر لجرعات غير كافية من المضادات الحيوية.
ومن أهم العوامل المسببة لذلك:
وصف المضادات الحيوية لعلاج العدوى الفيروسية مثل الإنفلونزا أو نزلات البرد.
عدم إكمال المريض لكامل مدة العلاج.
استخدام جرعات أو طرق إعطاء غير صحيحة.
استعمال مضادات حيوية واسعة الطيف عند إمكانية استخدام بدائل ضيقة الطيف.
ضعف إجراءات مكافحة العدوى في المؤسسات الصحية.
يُعد وعي الممرضين بهذه العوامل أساسياً لضمان فعالية برامج ترشيد استخدام المضادات الحيوية وتعزيز سلامة المرضى.
3. دور الممرض في إعطاء المضادات الحيوية
يُعدّ الإعطاء الآمن والدقيق للمضادات الحيوية من الركائز الأساسية للممارسة التمريضية. إذ يجب على الممرض دمج المعرفة الدوائية بالحكم السريري لضمان الفعالية والسلامة. وتشمل المسؤوليات الرئيسة:
التحقق من "الحقوق الخمسة" في إعطاء الدواء: المريض الصحيح، الدواء الصحيح، الجرعة الصحيحة، الطريق الصحيح، والوقت الصحيح.
مراقبة التأثيرات العلاجية والجانبية مثل الحساسية أو السمية الكلوية أو اضطرابات الجهاز الهضمي.
الالتزام بمواعيد الجرعات الدقيقة للحفاظ على المستويات العلاجية المناسبة في الدم.
الحفاظ على التقنية المعقمة أثناء التحضير والإعطاء.
التوثيق الدقيق لكل جرعة ورد فعل دوائي أو جرعة فائتة في سجل المريض.
إن يقظة الممرض ومسؤوليته المهنية تضمن سلامة المريض وتحافظ على فعالية المضادات الحيوية.
4. دور الممرض في برامج ترشيد استخدام المضادات الحيوية (ASPs)
تهدف برامج ترشيد استخدام المضادات إلى تحسين وصفها واستخدامها لضمان أفضل النتائج وتقليل العدوى المقاومة. ويُعد إشراك الممرضين في هذه البرامج خطوة أساسية لتحسين جودة الرعاية والسيطرة على العدوى. وتشمل أدوارهم:
التعرف المبكر على علامات العدوى من خلال مراقبة العلامات الحيوية والنتائج المخبرية.
التأكد من أخذ العينات قبل بدء العلاج بالمضادات لتجنب النتائج السلبية الخاطئة.
تقييم استجابة المريض للعلاج والتواصل مع الطبيب بشأن التعديل أو الإيقاف.
تطبيق إجراءات العزل والنظافة للحد من انتشار الكائنات المقاومة.
تعزيز الالتزام بسياسات المضادات الحيوية بين الكادر الصحي والمرضى.
تشير الدراسات إلى أن إشراك الممرضين في هذه البرامج يقلل من الاستخدام غير المناسب للمضادات الحيوية ويُسهم في تقصير مدة الإقامة بالمستشفى.
5. تثقيف المريض والعائلة
يُعد تثقيف المرضى أداة فعّالة في مكافحة سوء استخدام المضادات الحيوية، إذ يشيع بين الناس اعتقاد خاطئ بأن المضادات تشفي جميع أنواع العدوى.
يمكن للممرضين تصحيح هذه المفاهيم من خلال توضيح ما يلي:
المضادات الحيوية تعالج العدوى البكتيرية فقط وليس الفيروسية.
ضرورة إكمال دورة العلاج كاملة لتجنب الانتكاس والمقاومة.
عدم مشاركة الأدوية أو استخدام البقايا القديمة.
الإبلاغ عن أي أعراض جانبية فوراً.
كما يلعب الممرضون دوراً في توعية المجتمع من خلال حملات تثقيفية في المدارس والمراكز الصحية. وقد أظهرت الأبحاث أن التدخلات التعليمية التي يقودها الممرضون تُحسّن بشكل ملحوظ معرفة الجمهور حول الاستخدام الصحيح للمضادات الحيوية.
6. الوقاية من العدوى ومكافحتها
تُعد الوقاية من العدوى جزءاً أساسياً من مسؤوليات التمريض، إذ يؤدي منع العدوى إلى تقليل الحاجة للمضادات الحيوية. وتشمل الممارسات الرئيسة:
غسل اليدين: أكثر التدابير فعالية في منع انتقال العدوى.
تنظيف البيئة والمعدات بانتظام.
استخدام التقنيات المعقمة عند الإجراءات العلاجية.
عزل المرضى المصابين بعدوى مقاومة للأدوية المتعددة.
تشجيع التطعيم ضد الأمراض المعدية القابلة للوقاية.
يساهم الممرضون من خلال هذه الإجراءات في خفض معدلات العدوى وبالتالي تقليل استهلاك المضادات الحيوية في المستشفيات.
7. الأبعاد الأخلاقية لاستخدام المضادات الحيوية في التمريض
ترتكز الجوانب الأخلاقية في استخدام المضادات الحيوية على مبادئ الإحسان، وعدم الإضرار، والعدالة.
يجب على الممرض الموازنة بين الفائدة الفورية للمريض والمصلحة العامة المتمثلة في الحد من مقاومة المضادات الحيوية. وتشمل الممارسات الأخلاقية ما يلي:
الامتناع عن إعطاء مضاد حيوي غير ضروري أو غير مبرر علمياً.
الدفاع عن حقوق المريض وتوضيح طبيعة العلاج ومخاطره.
ضمان العدالة في الحصول على العلاج وخاصة في البيئات محدودة الموارد.
احترام خصوصية المرضى أثناء إجراءات العزل والعلاج.
إن دمج التعليم الأخلاقي في مناهج التمريض ضروري لتعزيز السلوك المهني المسؤول.
8. العوائق أمام المشاركة التمريضية الفعالة
رغم أهمية دور الممرضين، إلا أنهم يواجهون عدة عوائق تحد من فعاليتهم، منها:
ضعف الصلاحيات في التأثير على قرارات وصف الأدوية.
نقص التدريب في مجالات علم الأحياء الدقيقة والدوائيات.
ضغط العمل الذي يحد من الوقت المخصص للتثقيف والتوثيق.
ضعف التواصل بين أعضاء الفريق الطبي.
تجاوز هذه المعوقات يتطلب إصلاحات على مستوى السياسات، وتعزيز التعاون بين التخصصات، وإشراك الممرضين في صنع القرار المتعلق بترشيد المضادات.
9. استراتيجيات تمكين الممرضين
لزيادة فاعلية دور الممرضين في الاستخدام الرشيد للمضادات، يُوصى بما يلي:
توفير التعليم المستمر حول علم الأدوية وآليات المقاومة وبرامج الترشيد.
إشراك الممرضين في لجان وضع السياسات والقيادة في برامج الترشيد.
تضمين مفاهيم ترشيد المضادات الحيوية في مناهج التمريض الجامعية والدراسات العليا.
استخدام الأدوات الرقمية مثل نظم الوصفات الإلكترونية لدعم اتخاذ القرار.
تشجيع مشاركة الممرضين في البحوث المتعلقة بالمضادات الحيوية وأنماط مقاومتها.
أثبتت الأدلة أن تمكين الممرضين وتعليمهم المستمر يؤدي إلى نتائج أفضل في برامج ترشيد المضادات الحيوية.
10. المنظور العالمي للتمريض
تؤكد المنظمات التمريضية العالمية على أهمية دور الممرضين في مكافحة مقاومة المضادات الحيوية.
وقد صرّح المجلس الدولي للممرضين (ICN، 2021) بأن الممرضين هم "عوامل التغيير الرئيسة" في تنفيذ خطة العمل العالمية لمنظمة الصحة العالمية لمكافحة مقاومة المضادات.
وفي الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، غالباً ما يكون الممرضون مقدمي الرعاية الصحية الأساسيين، مما يجعل دورهم في التثقيف والوقاية من العدوى أكثر أهمية.
كما أن التعاون وتبادل الخبرات بين شبكات التمريض عبر الحدود يُعزّز فعالية البرامج ويحسن نتائج المرضى على مستوى العالم.
11. الاتجاهات المستقبلية والبحوث المطلوبة
يجب أن تركز البحوث التمريضية المستقبلية على ما يلي:
قياس تأثير التثقيف الذي يقوده الممرضون على التزام المرضى بالعلاج ومعدلات المقاومة.
تطوير بروتوكولات تمريضية قائمة على الأدلة لرصد المضادات واكتشاف المقاومة المبكرة.
تقييم الكلفة والفائدة لبرامج الترشيد التي يقودها الممرضون.
دراسة العوامل الثقافية التي تؤثر في نظرة المرضى للمضادات الحيوية والالتزام بها.
إن التعاون المستمر بين الباحثين في مجالات التمريض والأحياء الدقيقة والسياسات الصحية ضروري لترجمة الأدلة إلى تطبيقات عملية.
12. الخلاصة
يلعب الممرضون دوراً لا غنى عنه في الحفاظ على فعالية المضادات الحيوية. فهم يساهمون في كل مراحل الرعاية — من إعطاء الدواء ومتابعة المريض، إلى الوقاية من العدوى، والتثقيف، والترشيد.
ومن خلال الممارسة المبنية على الأدلة، والمسؤولية الأخلاقية، والتعاون المهني، يمكن للممرضين التأثير بشكل كبير في الحد من مقاومة المضادات الحيوية.
إن الاستثمار في تعليم الممرضين وتمكينهم القيادي يمثل أولوية مهنية وضرورة صحية عالمية، لأن الحفاظ على فعالية المضادات الحيوية يعتمد إلى حد كبير على دورهم في جميع مستويات الرعاية الصحية — من سرير المريض إلى المجتمع.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .
الهدف الثالث من اهداف التنمية المستدامة -الصحة الجيدة والرفاه
The Third Goal of the Sustainable Development Goals – Good Health and Well-being