دورها في تعزيز الاستدامة البيئية والاقتصادية
المهندسة تبارك محسن عاشور
تُعدّ الطاقة الحيوية المستخلصة من المخلفات العضوية واحدة من أهم المسارات الحديثة في مجال الطاقة المتجددة، نظرًا لقدرتها الكبيرة على الموازنة بين متطلبات التنمية الاقتصادية وحماية البيئة. تعتمد هذه التقنية على استثمار المخلفات العضوية المتنوعة، بما في ذلك المخلفات الزراعية مثل سيقان النباتات وقشور الحبوب وبقايا المحاصيل، والمخلفات المنزلية مثل بقايا الطعام وقشور الخضار والفواكه، وكذلك المنتجات الثانوية للصناعات الغذائية مثل بقايا العصائر ومنتجات الألبان والزيوت النباتية. يتم تحويل هذه المخلفات إلى طاقة قابلة للاستخدام عبر مجموعة من العمليات البيولوجية المتقدمة، أبرزها الهضم اللاهوائي الذي ينتج الغاز الحيوي الغني بالميثان، والذي يمكن استخدامه لتوليد الكهرباء والحرارة، أو تشغيل محركات الطاقة وصناعة الوقود الحيوي.
تساعد هذه العمليات في تقليل التلوث البيئي الناجم عن تراكم المخلفات العضوية في المكبات، كما تساهم في الحد من انبعاث الروائح والغازات الضارة، بما في ذلك الغازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان، مما يسهم في الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري وتحسين جودة الهواء. بالإضافة إلى ذلك، فإن الطاقة الحيوية تعتبر مصدرًا محليًا ومستدامًا للطاقة، يعزز الأمن الطاقي ويقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري التقليدي، وهو ما يقلل التكاليف الاقتصادية ويحمي الموارد الطبيعية.
ومن الجوانب المميزة للطاقة الحيوية إنتاج مخلفات ثانوية مفيدة يمكن استخدامها كأسمدة عضوية طبيعية، تدعم الزراعة المستدامة وتحسن خصوبة التربة، مما يربط بين إدارة المخلفات وإنتاج الغذاء بشكل مستدام ضمن الاقتصاد الدائري. كما يمكن دمج هذه الأنظمة مع مشاريع الطاقة المتجددة الأخرى، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لتوفير مصادر طاقة متكاملة ومتنوعة تلبي الطلب المتزايد على الكهرباء وتدعم التنمية الصناعية والزراعية.
في الدول الزراعية والصناعية على حد سواء، يمثل الاستثمار في الطاقة الحيوية خيارًا استراتيجيًا واعدًا، إذ يسهم في خلق فرص عمل جديدة، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتحفيز الابتكار في تقنيات معالجة المخلفات وتحويلها إلى طاقة. كما توفر هذه التقنيات بيانات ومؤشرات هامة لصناع القرار في التخطيط البيئي والاقتصادي، حيث يمكن قياس كفاءة الإنتاج وانبعاثات الغازات ومساهمة المشروع في تقليل الاعتماد على المصادر التقليدية للطاقة.
من هذا المنطلق، تُعدّ الطاقة الحيوية من المخلفات العضوية خيارًا مستدامًا طويل الأمد، يجمع بين الفوائد البيئية والاقتصادية والاجتماعية، ويعزز قدرات الدول على تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتقليل البصمة الكربونية، ودعم التوازن بين النمو الصناعي والزراعة والحفاظ على البيئة، مما يجعلها ركيزة أساسية في خطط الطاقة المستقبلية على المستويين المحلي والعالمي.