المهندسة تبارك محسن عاشور
تحويل الحرارة المهدورة في المصانع إلى مصدر طاقة فعّال
يُعد استرجاع الطاقة من الفاقد الحراري الصناعي أحد المواضيع الحديثة والنادرة نسبيًا في مجال الوقود والطاقة، على الرغم من دوره المحوري في تحسين كفاءة الأنظمة الصناعية وتعزيز الاستدامة البيئية والاقتصادية. إذ تفقد الصناعات الثقيلة كميات هائلة من الطاقة الحرارية أثناء عمليات الإنتاج المختلفة، لا سيما في الأفران الصناعية، المراجل البخارية، المصافي النفطية، ومعامل الإسمنت والحديد والصلب والبتروكيمياويات، حيث تُطرح هذه الحرارة إلى الوسط المحيط عبر غازات العادم أو الأسطح الساخنة دون أي استثمار فعلي لها.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن جزءًا كبيرًا من الطاقة المستهلكة في هذه الصناعات لا يتحول إلى طاقة مفيدة، بل يُهدر على شكل حرارة مفقودة، مما يؤدي إلى انخفاض الكفاءة الحرارية الكلية للمنظومات الصناعية وزيادة استهلاك الوقود الأحفوري. ومن هنا تبرز أهمية تقنيات استرجاع الطاقة الحرارية المهدورة، التي تهدف إلى تحويل هذه الخسائر إلى مصدر طاقة فعّال يمكن الاستفادة منه داخل العملية الصناعية نفسها أو في توليد الطاقة الكهربائية.
تعتمد تقنيات استرجاع الفاقد الحراري على مجموعة من الأنظمة الهندسية المتقدمة، من أبرزها الدورات الحرارية العضوية (Organic Rankine Cycle – ORC)، والتي تُعد من أكثر التقنيات كفاءة في استثمار الحرارة منخفضة ومتوسطة الدرجة. إذ تستخدم هذه الدورات موائع عضوية ذات درجات غليان منخفضة مقارنة بالماء، ما يتيح تحويل الحرارة المهدورة إلى طاقة ميكانيكية ثم كهربائية بكفاءة عالية. إضافة إلى ذلك، تُستخدم المبادلات الحرارية المتطورة لاسترجاع الحرارة من غازات العادم وإعادة توظيفها في تسخين الموائع أو تحسين أداء العمليات الإنتاجية.
كما تشمل التقنيات الحديثة المحولات الحرارية الكهربائية (Thermoelectric Generators) التي تعتمد على التأثير الحراري الكهربائي لتحويل فرق درجات الحرارة مباشرة إلى طاقة كهربائية، وهي تقنية واعدة خصوصًا في المواقع الصناعية التي يصعب فيها تركيب أنظمة معقدة. وتمثل هذه الحلول خطوة مهمة نحو تعزيز مفهوم الإدارة الذكية للطاقة داخل المنشآت الصناعية.
وتنعكس أهمية استرجاع الطاقة الحرارية المهدورة بشكل واضح على الجانب البيئي، إذ يسهم في تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والملوثات الهوائية الناتجة عن حرق كميات إضافية من الوقود لتوليد الطاقة. كما يؤدي إلى خفض البصمة الكربونية للصناعات الثقيلة، مما ينسجم مع التوجهات العالمية نحو الحد من التغير المناخي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
أما من الناحية الاقتصادية، فإن استثمار الحرارة المهدورة يسهم في تقليل تكاليف التشغيل وزيادة كفاءة استخدام الموارد، مما يعزز الجدوى الاقتصادية للمشاريع الصناعية على المدى الطويل. كما يتيح للمصانع تحقيق وفرٍ في استهلاك الطاقة وتحسين تنافسيتها في الأسواق، فضلًا عن دعم توجهات الإنتاج النظيف والصناعة الخضراء.
ومع التطور المستمر في مواد التحويل الحراري، وتحسين كفاءة الأنظمة الحرارية، والتقدم في تقنيات التحكم والطاقة الذكية، يُتوقع أن يحتل استرجاع الطاقة من الفاقد الحراري مكانة متقدمة في البحوث العلمية والدراسات التطبيقية في أقسام الوقود والطاقة. ويُنظر إليه بوصفه حلًا هندسيًا متكاملًا يجمع بين رفع الكفاءة الطاقية، حماية البيئة، وتحقيق الاستدامة الصناعية، مما يجعله أحد المحاور المستقبلية المهمة في هندسة الطاقة الحديثة.