المهندسة تبارك محسن عاشور
تعد مشكلة تراكم النفايات البلاستيكية من أكبر التحديات البيئية والطاقة في القرن الحادي والعشرين، حيث يُنتج العالم مئات الملايين من الأطنان من البلاستيك سنوياً، ويتم التخلص من أكثر من 75% منها في البيئة كمخلفات صعبة التحلل. تواجه أساليب إدارة النفايات التقليدية صعوبات تقنية واقتصادية كبيرة في التعامل مع هذا الكم الهائل، ما دفع الباحثين إلى استكشاف تقنيات متقدمة لتحويل البلاستيك إلى منتجات طاقية عالية القيمة.
من بين هذه التقنيات، تلعب عملية التغويز البخاري (Steam Gasification) دورًا محوريًا في تحويل النفايات البلاستيكية، سواء وحدها أو مدمجة مع مواد أخرى مثل الكتلة الحيوية الخشبية، إلى غاز تخليق (Syngas) غني بالهيدروجين (H₂) وأحادي أكسيد الكربون (CO)، الذي يمكن استخدامه كوقود مباشر أو كمواد وسيطة في صناعات كيميائية متقدمة. أظهرت الدراسات أن التحكم في درجة الحرارة ونسبة البخار إلى المادة الخام يمثلان عوامل حرجة تؤثر مباشرة على مكونات الغاز المنتج وكفاءته الطاقية، حيث تؤدي درجات حرارة أعلى إلى زيادة تركيز الهيدروجين وتحسين القيمة الحرارية للغاز الناتج.
تُظهر نتائج التحليل البيئي والاقتصادي لهذه التقنية أنها قادرة على تقليل انبعاثات الكربون مقارنة بطرق التخلص التقليدية، خاصة عند دمجها مع مصادر طاقة متجددة مثل الطاقة الشمسية لتشغيل وحدات التغويز، مما يعزز الجدوى البيئية والاقتصادية لاستخدام هذه التكنولوجيا في المستقبل القريب. كما أن التكامل مع عمليات احتجاز واستخدام الكربون (CCUS) يمكن أن يسهم بشكل كبير في إنتاج هيدروجين منخفض الكربون، يدعم انتقال الطاقة النظيفة عالمياً.
في سياق التقنيات المستقبلية للطاقة المستدامة، تقدم هذه العملية فرصة فريدة لمعالجة مشكلة النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى موارد طاقية عالية القيمة، مثل الهيدروجين والغاز التخليقي، مما يدعم منظومة الاقتصاد الدائري ويقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري. كما يتطلب التطبيق العملي لهذه التكنولوجيا جهوداً بحثية وهندسية مستمرة لتحسين الكفاءة وخفض التكاليف وجعلها قابلة للتطبيق الصناعي واسع النطاق في العقود القادمة. وتُمثل هذه التوجهات جزءًا مهمًا من الاستراتيجيات الوطنية والعالمية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة مثل الهدف السابع (طاقة نظيفة وبأسعار معقولة)، الهدف الثاني عشر (استهلاك وإنتاج مسؤول)، والهدف الثالث عشر (العمل المناخي).