المهندسة تبارك محسن عاشور
تُعد الطحالب الدقيقة (Microalgae) من أكثر المصادر الواعدة والحديثة في مجال الوقود الحيوي، لما تتمتع به من خصائص فريدة تجعلها متفوقة في إنتاج الطاقة المستدامة مقارنة بالمصادر التقليدية للطاقة الحيوية. فالطحالب الدقيقة قادرة على النمو بسرعة عالية في بيئات مائية متنوعة دون الحاجة لأراضٍ زراعية صالحة، كما يمكن أن تُزرع باستخدام مياه البحر أو المياه العادمة، مما يقلل الاعتماد على موارد المياه العذبة ويحد من الضغط على الأراضي الزراعية الصالحة للأغذية.
تُظهر الدراسات أن الطحالب تحتوي على نسب متفاوتة من الدهون (اللبييدات) التي يمكن تحويلها إلى وقود حيوي مثل البيوديزل والبيو أويل من خلال سلسلة من العمليات تشمل الحصاد، تكسير الخلايا، واستخلاص الدهون، ومن ثم تحويلها كيميائيًا إلى وقود صالح للاستخدام في المحركات. تعتمد جودة الوقود الحيوي المستخرج بشكل كبير على اختيار سلالات الطحالب التي تمتلك محتوى عاليًا من الدهون، مما يجعل دراسة الخصائص البيوكيميائية لهذه الطحالب أمرًا حيويًا.
من أهم المزايا البيئية لإنتاج الوقود من الطحالب هو قدرتها على امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون أثناء عملية النمو، مما يساهم في تخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بتغير المناخ. كما أن بعض الدراسات الحديثة تشير إلى إمكانية دمج هذه العملية مع أنظمة معالجة مياه الصرف وإنتاج الوقود في أنظمة متكاملة تحقق مبادئ مصفاة حيوية متكاملة (Biorefinery)، حيث لا يُستخرج الوقود فقط، بل يمكن أيضًا الحصول على مركبات قيّمة أخرى تستخدم في صناعات غذائية وطبية وكيميائية.
مع ذلك، تواجه تقنية إنتاج الوقود الحيوي من الطحالب عدة تحديات تقنية واقتصادية، أبرزها ارتفاع تكلفة الإنتاج مقارنة بالوقود الأحفوري وصعوبات في التخفيض الاقتصادي لعمليات الاستخلاص والتحويل. ومع ذلك، يواصل العلماء تطوير مفاعلات ضوئية متقدمة، وتحسين استراتيجيات الزراعة والتحسين الوراثي للسلالات لزيادة كفاءة الإنتاج وتقليل التكلفة. كما يعمل الباحثون في مجال الهندسة البيوكيميائية على دمج الطحالب مع تقنيات أخرى مثل إنتاج الهيدروجين الحيوي، مما يزيد من إمكاناتها كمصدر مستدام للطاقة المتجددة.
يمكن اعتبار إنتاج الوقود الحيوي من الطحالب خطوة مهمة نحو تحقيق الاستدامة الطاقية وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة مثل الهدف السابع (طاقة نظيفة وبأسعار معقولة)، والهدف الثاني عشر (استهلاك وإنتاج مسؤول)، والهدف الثالث عشر (العمل المناخي). التطورات المستمرة في هذا المجال تبشر بإمكانية توسيع نطاق هذه التقنية لتصبح جزءًا مهمًا من مزيج الطاقة المستقبلي العالمي.