ان من اهم ابعاد الامن الوطني هو الامن الوطني السياسي , ومطالب هذا البُعد بالنسبة
للسياسة الداخلية، هي استقرارها في إطار الشرعية الدستورية، وتوجيه التنافس للقوى الداخلية والاتجاهات السياسية لصالح الوطن، أما مطالبه للسياسة الخارجية، فهي نجاحها في تأمين متطلبات السيادة الوطنية، واحتياجات الدولة، دون خضوع لأي ضغوط خارجية. والأمن السياسي هو قاعدة يستند عليها الأمن القومي، ويقترن الأمن السياسي بطريقة مباشرة بتوازن السلطة السياسية واستمرار النظام وثباته، وهو الضرورة ذات الوزن الكبير والإطار الجوهرّي لصمود أي مجتمع وازدهاره، ولا يمكن أن يكون هناك وجود للأمن القومي من غير وجود الأمن السياسي .
ويعبّر الأمن الوطني السياسي عن أمن السلطّة والنظام السياسي، وللأمن السياسي معنى محدد ويقصد بهِ " ضمان تمتّع الفرد بالحقوق والحريّات لا سيما السياسية بشكل متساوِ وفي جميع الظروف"، ومن الممكن تعريفه على أنه الوقاية الضرورية لحقوق الإنسان من الظلم والاضطهاد والاستنكار، وأهمية تنفيذ البنيان الديمقراطي لمؤسسات الدولة، وتعهّد سلطّة القانون على كافة الشرائح المجتمعيّة، وهو بشكل مبسّط "التحرر من القسر السياسي" ومما تلمّح الإشارة إليه إن هذا الحق متوفرًا لجميع المواطنين، لكن القضيّة تستدعي تكثيف الجهود الفردية والجماعية لضمانه والاتفاق على الاستمتاع به بشكل حقيقي .
وهناك بعض الحقوق لفئات معينّة على المستوى الشخصّي لابد من تسليط الضوء عليها والترفّع بها ليصل الأمر إلى صونها والتكفّل الملموس والصادق بها وتأمينها مثل: حقوق المرأة ويوجد حقوق أخرى من المفترض أن تتم ممارستها بطريقة تشاركيّة بين الجمهور بما يتضمّن تطبيق التباحث المشروع والسلمّي للسلطة كالمشاركة في الانتخابات والاستفتاءات الشعبيّة على اختلاف أنواعها، وعلاوة على ما تم ذكره، يتواجد الكثير من الحريات الجوهريّة التي من المهم أن ترعاها وتتضمنهّا الهيئات العامة حتى يشعر الفرد بأهميته وذاته المستقلة ودوره في التعبير عن رأيه .
ويعتبر الأمن السياسي هو الركيزة الأساسية في الأمن الوطني، لأنه يكشف قدرة الدولة على تنظيم شؤونها الداخلية وإدارة مواردها، وللبعد السياسي جانبان هما: السياسة الداخلية المتمثلة بالإدارة الداخلية والأمن المجتمعي، والسياسة الخارجية، والمتمثلة بإدارة مصادر القوة للدولة، والتأثير الدولي لها، وتحقيق المصالح، ويناء العلاقات الدولية ، ويقوم الأمن السياسي على عدّة أمور ومقومات تنظّم علاقة المواطن بالمجتمع، وتعيد هيكلة علاقاته مع المواطنين الآخرين، منها:
• المساهمّة السياسيّة: إن مساهمة أفراد المجتمع في السياسة تُعد من ركائز الأمن السياسي، فيوجد أهمية قصوى لدور المواطن ومشاركتّه في صناعّة القرارات المتعلقّة بالدولة، وهناك مساهمّات سياسيّة يستطيع المواطن أن يقوم بها مثل: الانتخابات، والتي تستدعي وعي المواطن وتمكنّه من تتبّع القوانين واحترام الغير .
• التعدديّة السياسيّة: إن التعدديّة السياسيّة هي مفهوم سياسي يقال ليصف تعدد الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وإمكانية الناس على الانتساب إلى الحزب الذي يرغبون بهِ ويروا بأنه يعبّر عن أفكارهم وتطلعاتهم في إطار القانون، وتعطّي التعدديّة الحق للأطياف والأحزاب بمشاركة رؤيتهم بغض النظر عن تفاوت الرغبات والآراء ضمن قواعد وقوانين محددة تكفل للناس حقوقهم وتؤمن عدم التعدي عليها وتجاوزها .
• حماية حقوق الإنسان: من أولى وأبرز مقومات الأمن السياسي هي حماية حقوق الإنسان، وذلك لأن العلاقة بين مقومات الأمن السياسي وبين حقوق الإنسان علاقة وثيقة ومتينة كثيرًا، فأتى مصطلح التعددية السياسية والمشاركة السياسية من أجل رعاية حقوقه في صنع القرار وحقوقه في اختيار الآراء والتعبير عنها ضمن القانون، وحماية حقوق الإنسان تكون ممن ضمن مسؤوليات الدولة، وهي التي تسن القوانين التي تضمّن عودة الحقوق لأصحابها وعدم انتهاكها، ويتوجب على الجماعات والأفراد احترام هذه القوانين والالتزام بها
ويتكون هذا البُعد في جانب السياسة الداخلية من عدة مكونات تحقق في مجموعها إطار السياسة الداخلية للدولة، ويكون ذلك من خلال:
- معرفة الاتجاهات والقيم المسيطرة على الحياة السياسية في الدولة، والأفكار التي تتحكم بها من حيث: طبيعة الأحزاب والجماعات والقوى السياسية، والتنظيمات المختلفة.
- طبيعة المصالح التي تدير وتؤثر بالطوائف المختلفة، والتنظيمات الأهلية، والنقابات والتعرف على أهدافها. وتحليل السياسات المختلفة وراء التنظيمات الداخلية الحالية والمتبعة سابقا، واستنتاج الأهداف غير المعلنة لها.
- دراسة تأثير تلك السياسات والأهداف المعلنة والسرية في القرارات المتخذة من قبل أصحاب القرار في الدولة.
أما جانب السياسة الخارجية فهو بدوره يتكون من مجموعة من المكونات، هي:
- كفاءة الجهاز الدبلوماسي في الدولة وقدرته على استخدام الأسلوب المناسب لإدارة مصادر الدولة.
- القدرة على حشد الرأي العام، واستخدام القوى السياسية للدول الأخرى لمصلحة الدولة.
- فرض النفوذ والسيادة.
- الاستفادة من الشراكات الدولية، والانتظام في التحالفات الدولية، وعقد الاتفاقيات وبناء العلاقات الدولية.
وينقسم الأمن السياسي إلى اتجاهين يتمحور حولهما، ويمكن توضيحهما على النحو التالي:
الاتجاه الداخلّي: يختص بالتفاعلات السياسية القائمة داخل النسق السياسي الوطني (المشاركة السياسية، الانتخابات، التداول السلمي للسلطة...إلخ)، وكذا قابلية النظام على تعبئة عناصر قوة الدولة لتحقيق أهدافه التنموية.
الاتجاه الخارجّي: ويبيّن إمكانية الدولة وقدرتهّا على التكيّف في النسق الدولي لتنفيذ أهدافها الوطنيّة عن طريق سياساتها الخارجيّة.
وقد ظهر حديثًا ما يسمى بالأمن المعلوماتي أو الأمن السيبراني الذي يشكل عصب الأمن السياسي والعسكري: ويعني قدرة الدولة على إدارة وحماية البنية التحتية من البيانات الخاصة بالدولة من التهديدات الخارجية، إذ لم تعد الحرب كما في السابق مواجهات عسكرية مباشرة، وإنما أصبحت حرب معلومات واستخبارات، فالدولة الآمنة هي الدولة القادرة على حماية أنظمتها الإلكترونية وأقمارها الصناعية وتأمينها ضد الاعتداءات الخارجية والاختراقات .
إن الأمن الوطني السياسي كغيره من أنواع الأمن، يترتب عليه العديد من الآثار، أهمها:
• غياب ما يهدد كيان السلطة الحاكمة
• غياب ما يعيق قدرة الحكومة على الحكم بفعالية.
• مقاومة الحرب النفسيّة الموجهّة للداخل الوطني.
وبالتالي التخفيض من أثر العوامل المشجعّة للتهديدات الموجهة للأمن الوطني الناتجة عن غياب الوعي السياسي أو عجزه أو تشددّه بين شخوص المجتمع، سواء كانت تهديدات ومخاطر منبعها من الداخل الوطني، أو من الخارج، والتي لطالما كانت السبب في العديد من العراقيل والتحديات والعقبات والقضايا التي تصدّت لها الكثير من دول العالم، على وجه الخصوص الخلافات والنكبات السياسية والتي يقع على عاتقها حالات الفوضى السياسية والثورات والانقلابات والتمردات المضادة للسلطة والحكومة، وأيضًا خيانة الشخصيات ذات النفوذ السياسي والاقتصادي وانقلابهم على أنظمتهم السياسية.