أ. د. حيدر علي الدليمي
كلية العلوم الادارية
يُعد الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة، لما له من آثار اقتصادية واجتماعية وإنسانية عميقة. وقد أولت أجندة التنمية المستدامة 2030 اهتمامًا بالغًا بهذه الإشكالية من خلال الهدف الأول المتمثل بالقضاء على الفقر بجميع أشكاله، وربطت تحقيقه بمنظومة متكاملة من الأهداف الداعمة، ولا سيما الهدف السابع عشر المتعلق بعقد الشراكات الفاعلة. يهدف هذا المقال إلى تحليل العلاقة التكاملية بين الهدفين، وبيان كيف تمثل الشراكات أداة استراتيجية محورية في تعزيز الجهود الوطنية والدولية لمكافحة الفقر وتحقيق تنمية مستدامة شاملة.
أولًا: الفقر كإشكالية تنموية متعددة الأبعاد
لم يعد الفقر يُنظر إليه بوصفه نقصًا في الدخل فحسب، بل كظاهرة متعددة الأبعاد تشمل الحرمان من التعليم، والخدمات الصحية، والسكن اللائق، وفرص العمل، والحماية الاجتماعية. ويؤدي استمرار الفقر إلى إدامة دوائر التهميش وعدم المساواة، مما يعرقل جهود التنمية ويهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
وفي هذا السياق، يؤكد الهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة على ضرورة اعتماد سياسات شاملة تستهدف الفئات الأكثر هشاشة، وتعزز شبكات الأمان الاجتماعي، وتدعم التمكين الاقتصادي، بما يضمن عدم ترك أي فرد خلف الركب.
ثانيًا: الهدف السابع عشر ودوره في دعم الأهداف التنموية
يمثل الهدف السابع عشر الإطار الحاكم لتحقيق بقية أهداف التنمية المستدامة، إذ يركز على تعزيز وسائل التنفيذ وبناء الشراكات بين الحكومات، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، والمنظمات الدولية. وتنبع أهمية هذا الهدف من إدراك أن التحديات التنموية المعقدة، وعلى رأسها الفقر، لا يمكن معالجتها بجهود منفردة أو سياسات منعزلة.
وتشمل آليات الهدف السابع عشر تعبئة الموارد المالية، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، وتعزيز التجارة العادلة، وتبادل البيانات والمعرفة، وهي جميعها عناصر جوهرية لدعم برامج مكافحة الفقر على المستويين الوطني والدولي.
ثالثًا: المقاربة التكاملية بين مكافحة الفقر وبناء الشراكات
إن تحقيق الهدف الأول يتطلب تفعيل مقاربة تكاملية تستند إلى الشراكات بوصفها رافعة أساسية للتنمية. فالشراكات تتيح:
• توحيد الجهود والموارد بين الفاعلين المختلفين، مما يعزز كفاءة البرامج الاجتماعية والاقتصادية.
• نقل الخبرات والمعرفة من خلال التعاون الدولي والأكاديمي، بما يدعم تبني سياسات قائمة على الأدلة.
• تعزيز الابتكار الاجتماعي عبر إشراك القطاع الخاص في مبادرات التمكين الاقتصادي وخلق فرص العمل.
• دعم الحوكمة الرشيدة من خلال الشفافية والمساءلة في تنفيذ برامج الحد من الفقر.
وتبرز أهمية هذه المقاربة في الدول النامية، حيث تشكل محدودية الموارد تحديًا رئيسًا، مما يجعل الشراكات خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه لتحقيق نتائج ملموسة ومستدامة.
رابعًا: دور المؤسسات الأكاديمية في تفعيل الشراكات
تؤدي الجامعات والكليات دورًا محوريًا في الربط بين الهدفين الأول والسابع عشر، من خلال البحث العلمي، وبناء القدرات، وخدمة المجتمع. إذ يمكن للمؤسسات الأكاديمية أن تسهم في:
• إجراء بحوث تطبيقية حول الفقر وأسبابه وسبل معالجته.
• تقديم الاستشارات العلمية لصناع القرار.
• بناء شراكات بحثية وتنموية مع المؤسسات المحلية والدولية.
• تعزيز الوعي المجتمعي بثقافة التنمية المستدامة.
وبذلك تصبح الجامعة فاعلًا أساسيًا في منظومة الشراكات الداعمة لمكافحة الفقر وتحقيق التنمية الشاملة.
واخيرًا ، يخلص المقال إلى أن القضاء على الفقر، كما نص عليه الهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة، لا يمكن تحقيقه بمعزل عن الهدف السابع عشر الذي يشكل الإطار التنفيذي والتكاملي لبقية الأهداف. فبناء الشراكات الفاعلة يمثل شرطًا أساسيًا لتعظيم الأثر التنموي، وضمان استدامة الجهود المبذولة في مكافحة الفقر. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تبني سياسات تشاركية شاملة، يكون فيها التعاون بين مختلف الفاعلين ركيزة أساسية لتحقيق تنمية إنسانية عادلة ومستدامة.