لم تعد العلاقة بين الكهرباء والطب مجرد علاقة تشغيلية للأجهزة، بل أصبحت علاقة عضوية متجذرة في جوهر الرعاية الصحية. إن جسم الإنسان في الأصل هو "نظام كهروبيولوجي، حيث تتواصل الخلايا العصبية والعضلات عبر نبضات كهربائية دقيقة. ومن هنا، برز دور هندسة الطب الحياتي لتوظيف "النظم الكهربائية" كأداة لفهم هذه النبضات، وتشخيص الأمراض، بل وحتى علاجها.
1. استشعار ومعالجة الإشارات الحيوية (Bio-signal Sensing)
تعتبر الحساسات (Sensors) والدوائر الإلكترونية هي خط الدفاع الأول في التشخيص الطبي.
• تخطيط القلب والدماغ: يقوم مهندسو الكهرباء بتصميم أقطاب (Electrodes) تعمل كواجهات برمجية تلتقط فرق الجهد الكهربائي الناتج عن الأنشطة الحيوية.
• تضخيم الإشارة: بما أن إشارات الجسم ضعيفة جداً وتتأثر بالضوضاء المحيطة، تُستخدم "مكبرات الإشارة الطبية (Instrumentation Amplifiers) لتنقية وتكبير هذه النبضات دون تشويهها، مما يسمح للأطباء برؤية الحالة الصحية بدقة عالية.
2. الكهرباء كأداة تشخيصية (Diagnostic Power)
تعتمد كبرى الأجهزة التشخيصية على مبادئ الهندسة الكهربائية المتقدمة:
• التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI): يعتمد على توليد مجالات مغناطيسية قوية ونبضات من موجات الراديو الكهربائية لإثارة ذرات الجسم ورسم خرائط دقيقة للأنسجة.
• التصوير بالأمواج فوق الصوتية (Ultrasound): يستخدم ظاهرة "الكهرباء الإجهادية (Piezoelectricity) حيث تتحول النبضات الكهربائية إلى اهتزازات صوتية تخترق الجسم ثم تعود لتتحول مجدداً إلى إشارات كهربائية ترسم صورة الجنين أو الأعضاء.
3. الكهرباء كعلاج (Electrotherapy)
لا تكتفي الكهرباء بالمراقبة، بل تتدخل كعلاج مباشر في حالات حرجة:
• منظم ضربات القلب (Pacemaker): هو عبارة عن حاسوب صغير ودائرة كهربائية تُزرع تحت الجلد، ترسل نبضات كهربائية مدروسة بدقة لتحفيز عضلة القلب في حال حدوث خلل في إيقاعه الطبيعي.
• جهاز صدمات القلب (Defibrillator): يقوم بتفريغ شحنة كهربائية عالية ومفاجئة لإعادة ضبط النشاط الكهربائي للقلب في حالات التوقف المفاجئ، مما ينقذ حياة الآلاف يومياً.
4. الأمان والسلامة الكهربائية في البيئة الطبية
من أهم جوانب الكهرباء في خدمة الطب هو ضمان أمان المريض. يصمم مهندسو الطب الحياتي دوائر "عزل كهربائي (Electrical Isolation) معقدة لمنع تسرب أي تيار من الأجهزة إلى جسم المريض، حيث أن تيارات صغيرة جداً (بالميكرو أمبير) قد تؤدي إلى توقف القلب إذا وصلت إليه مباشرة أثناء الجراحة.
الخلاصة
إن عنوان الكهرباء في خدمة الطب يلخص ثورة تكنولوجية جعلت من المستحيل الممكن. فمن خلال هندسة الكهرباء، تحول جسم الإنسان من صندوق أسود غامض إلى نظام مفتوح يمكن قراءته وفهمه وإصلاحه. إن تكامل الدوائر الإلكترونية مع العلوم البيولوجية هو المحرك الأساسي للابتكارات الطبية في المستقبل، مثل الأعضاء الصناعية والذكاء الاصطناعي التشخيصي.
جامعة المستقبل الاولى على الجامعات الأهلية في العراق