خلف أبواب غرف الولادة، وحيث يمتزج صمت الترقب بصرخات الحياة الأولى، توجد بطلات يرتدين الرداء الأبيض، لا يقتصر دورهن على تقديم الرعاية الطبية فحسب، بل يصنعن بلمساتهن "أبجدية" الذاكرة الأولى لكل أم. إن التمريض النسائي ليس مجرد مهنة، بل هو فن إدارة اللحظات الأكثر هشاشة وإعجازاً في حياة الإنسان.
1.القابلة: الحارس الأمين لبوابة الحياة
تبدأ الذكرى قبل صرخة المولود بساعات. في تلك اللحظات التي يسيطر فيها الخوف والألم على الأم، تبرز الممرضة كصوت للطمأنينة. هي التي تحول "غرفة المستشفى" الباردة إلى مساحة آمنة.
• الدعم النفسي: بكلمة "أنتِ قوية" أو لمسة حانية على اليد، تزرع الممرضة الثقة في نفس الأم، وهي ذكرى تظل محفورة في الوجدان حتى بعد مرور سنوات.
• فن الصبر: إن قدرة الممرضة على استيعاب انفعالات الأم وتوجيهها بهدوء تجعل من تجربة الولادة رحلة تمكين لا رحلة معاناة.
2 .اللقاء الأول: هندسة المشاعر
لحظة خروج الطفل للدنيا هي "اللحظة الصفر". هنا، تلعب الممرضة دور "مهندس المشاعر":
• التلامس الجسدي الأول (Skin-to-Skin): تحرص الممرضة بذكاء ومهارة على وضع المولود فوق صدر أمه فوراً. هذه اللحظة التي تيسرها الممرضة هي التي تبني رابطة الارتباط (Bonding) وتظل الصورة الأجمل في ألبوم ذاكرة الأم.
• توثيق التفاصيل: الممرضة المتميزة هي التي تدرك قيمة التفاصيل الصغيرة؛ قص الحبل السري، قياسات الطفل الأولى، وحتى التقاط الصورة الأولى للأم مع طفلها. هذه التفاصيل هي ما يصنع "الذكرى التي لا تُنسى".
3. مدرسة الأمومة الأولى
بعد الولادة، تكتشف الأم أنها أمام عالم جديد مجهول. هنا تتحول الممرضة إلى معلمة وصديقة:
• الرضاعة الطبيعية: الصبر الذي تبديه الممرضة وهي تعلم الأم كيفية احتضان طفلها وإرضاعه يقلل من توتر البدايات ويمنح الأم شعوراً بالإنجاز.
• العناية بالمولود: تعليم الأم كيفية تحميم الطفل أو العناية بسلامته يمنحها الأمان النفسي قبل مغادرة المستشفى، مما يجعل اسم تلك الممرضة مقترناً دائماً ببداية رحلة الأمومة الناجحة.
4. لماذا يظل التمريض النسائي محفوراً في الذاكرة؟
السبب يكمن في "الأثر الإنساني". فالطبيب قد يجرى الجراحة أو يشرف على الولادة ويغادر، لكن الممرضة هي التي تعيش مع الأم أدق تفاصيل الضعف والقوة. هي التي تشاهد الدموع، وتسمع التنهيدات، وتشارك الفرحة العارمة.
"الناس قد ينسون ما قلته، وقد ينسون ما فعلته، لكنهم لن ينسوا أبداً كيف جعلتهم يشعرون." — مايا أنجيلو.
هذه المقولة تلخص جوهر عمل التمريض النسائي؛ إنهن يصنعن "الشعور" بالأمان في أكثر لحظات الحياة اضطراباً.
الخاتمة
إن التمريض النسائي هو القلب النابض في منظومة الرعاية الصحية. هنّ لا يقمن فقط بقياس العلامات الحيوية، بل يضعن بصماتهن على أرواح الأمهات. فكل ممرضة تبتسم في وجه أم متعبة، أو تحتضن مولوداً برفق، هي في الحقيقة تكتب سطراً في قصة حب ستحكيها الأم لطفلها يوماً ما.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .
الهدف الثالث من اهداف التنمية المستدامة -الصحة الجيدة والرفاه
The Third Goal of the Sustainable Development Goals – Good Health and Well-being