أحدث التقدم في علوم الوراثة والهندسة الوراثية تحولًا جذريًا في المفاهيم التقليدية للطب، حيث انتقل التركيز من علاج الأعراض الظاهرة للأمراض إلى فهم أسبابها الجزيئية الدقيقة على مستوى الجينات والخلايا. وقد أسهم هذا التحول في إرساء أسس الطب الحديث القائم على الدقة والتخصيص، مما أدى إلى تحسين التشخيص المبكر، وتطوير علاجات أكثر فاعلية وأقل آثارًا جانبية، وفتح آفاق جديدة لعلاج أمراض كانت تُعد مستعصية في السابق.
تُعنى الهندسة الوراثية بدراسة المادة الوراثية للكائنات الحية والتدخل المباشر فيها عبر تقنيات متقدمة، مثل إعادة تركيب الحمض النووي، والاستنساخ الجيني، وتحرير الجينات. وقد شكّل اكتشاف بنية الحمض النووي (DNA) نقطة الانطلاق الحقيقية لهذا المجال، حيث أتاح فهم العلاقة بين الجينات والوظائف الحيوية الطبيعية والمرضية داخل الجسم البشري. ومع تطور أدوات التحليل الجيني، أصبح بالإمكان تحديد الطفرات الوراثية المسؤولة عن العديد من الأمراض بدقة عالية، وهو ما مكّن الطب من الانتقال إلى مرحلة التشخيص الجزيئي.
في مجال تشخيص الأمراض، لعبت الهندسة الوراثية دورًا محوريًا في الكشف المبكر عن الاضطرابات الوراثية والأمراض المزمنة. فعلى سبيل المثال، تُستخدم الفحوصات الجينية لتشخيص أمراض الدم الوراثية مثل فقر الدم المنجلي والثلاسيميا قبل ظهور الأعراض السريرية، مما يسمح بالتدخل الوقائي وتقليل المضاعفات. كما أسهم التحليل الجيني في تشخيص السرطان من خلال تحديد الطفرات الجينية الخاصة بكل ورم، مثل الطفرات في جين BRCA المرتبطة بسرطان الثدي والمبيض، وهو ما يساعد الأطباء على تقييم خطر الإصابة ووضع استراتيجيات علاجية ووقائية مناسبة.
ولا يقتصر دور الهندسة الوراثية على التشخيص فحسب، بل يمتد ليشمل تطوير أساليب علاجية مبتكرة، يأتي في مقدمتها العلاج الجيني. يعتمد هذا النوع من العلاج على إدخال نسخة سليمة من الجين إلى خلايا المريض لتعويض الجين المعيب أو إصلاح الخلل الجيني. وقد حقق العلاج الجيني نجاحات ملموسة في علاج بعض أمراض نقص المناعة الوراثية، مثل مرض نقص المناعة المشترك الشديد (SCID)، إضافة إلى بعض اضطرابات الدم الوراثية. كما أظهرت التجارب السريرية نتائج واعدة في استخدام العلاج الجيني لعلاج أمراض عصبية وعضلية كانت تفتقر إلى خيارات علاجية فعالة.
كذلك أسهمت الهندسة الوراثية في تطوير ما يُعرف بالعلاجات الموجهة، والتي تستهدف مسارات جزيئية محددة داخل الخلايا المرضية. ويُعد هذا النهج نقلة نوعية في علاج السرطان، حيث يتم تصميم أدوية تستهدف خلايا الورم دون التأثير الكبير على الخلايا السليمة، كما هو الحال في بعض العلاجات المستخدمة في سرطان الدم وسرطان الرئة. وقد أدى هذا التوجه إلى تحسين نسب الاستجابة للعلاج وتقليل الأعراض الجانبية المصاحبة للعلاج الكيميائي التقليدي.
ومن أبرز تطبيقات الهندسة الوراثية في الطب الحديث ما يُعرف بالطب الشخصي أو الطب الدقيق، الذي يعتمد على التركيب الجيني للفرد في تحديد الخطة العلاجية الأنسب له. فقد أثبتت الدراسات أن الاستجابة للأدوية تختلف من شخص لآخر تبعًا للاختلافات الجينية، مما دفع إلى استخدام التحليل الجيني لاختيار نوع الدواء وجرعته بدقة، خصوصًا في علاج أمراض القلب والسرطان والاضطرابات النفسية. ويسهم هذا النهج في رفع كفاءة العلاج وتقليل مخاطر التفاعلات الدوائية غير المرغوب فيها.
وعلى الرغم من هذه الإنجازات العلمية الكبيرة، فإن تطبيقات الهندسة الوراثية في الطب تثير عددًا من التحديات الأخلاقية والعلمية. فالتدخل في الجينات البشرية، خاصة ما يتعلق بتعديل الخلايا الجنسية، يطرح تساؤلات حول تأثير ذلك على الأجيال القادمة. كما تبرز قضايا تتعلق بسرية المعلومات الجينية وإمكانية إساءة استخدامها، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التقنيات الجينية المتقدمة، مما قد يؤدي إلى فجوة صحية بين المجتمعات.
في الختام، يمكن القول إن الهندسة الوراثية تمثل أحد أعمدة الطب الحديث، إذ أسهمت في إحداث ثورة حقيقية في تشخيص الأمراض وعلاجها، وفتحت آفاقًا واسعة نحو طب أكثر دقة وإنسانية. ومع استمرار البحث العلمي وتطوير الأطر الأخلاقية والتشريعية، يُتوقع أن تلعب الهندسة الوراثية دورًا متزايد الأهمية في تحسين صحة الإنسان وتحقيق مستقبل طبي أكثر تطورًا واستدامة.
بقلم د. اصيل هاشم راضي
جامعة المستقبل الاولى على الجامعات الاهلية