لعقود طويلة صُمم التعليم وفق نموذج يشبه “المصنع”، حيث يقف المعلم في مقدمة الصف بوصفه المصدر الوحيد للمعرفة، بينما يجلس الطلبة في دور المتلقي السلبي. هذا النموذج، المعروف بالتلقين، لم يعد اليوم مجرد أسلوب تقليدي قديم، بل أصبح عائقًا حقيقيًا أمام التطور المعرفي. ففي عصر تتوفر فيه آلاف الكتب والمحاضرات والمنصات التعليمية بضغطة زر، لم يعد السؤال المطروح هو ما هي المعلومة، بل كيف يمكن توظيف هذه المعلومة وتحويلها إلى معرفة نافعة وفعل مؤثر.
الانفجار المعلوماتي ونهاية التلقين
في الماضي كانت المعرفة محدودة، وكان دور المعلم يتمثل في نقلها إلى المتعلم. أما اليوم فنعيش انفجارًا معلوماتيًا هائلًا تتضاعف فيه المعرفة البشرية بوتيرة متسارعة، الأمر الذي أدى إلى فشل التلقين لعدة أسباب، أبرزها سرعة تقادم المعلومات، إذ قد تصبح المعلومة التي تُدرّس اليوم غير دقيقة أو منتهية الصلاحية قبل تخرج الطالب. كما أن التوفر المطلق للمعلومات عبر محركات البحث والذكاء الاصطناعي جعل دور النقل غير ذي جدوى، إضافة إلى أن طبيعة الأجيال الرقمية لم تعد قادرة على التفاعل مع محاضرات طويلة أحادية الاتجاه تعتمد على السرد والحفظ.
التلقين وتهميش مهارات القرن الحادي والعشرين
تركز الطرق التلقينية على مهارة واحدة هي الحفظ، في حين تتطلب الحياة المعاصرة وسوق العمل مهارات أكثر تعقيدًا. فالتلقين يضعف التفكير الناقد لأنه يفرض على الطالب ماذا يفكر بدل أن يعلمه كيف يفكر ويحلل ويقيّم. كما أنه يحد من مهارات حل المشكلات، إذ يقدم إجابات جاهزة بعيدة عن واقع المشكلات المعقدة التي لا تمتلك حلولًا نموذجية. إضافة إلى ذلك، فإن الإبداع يتضرر في بيئة تلقينية تفرض مسارًا واحدًا وتغلق باب التجريب والخروج عن المألوف.
من التعليم إلى التعلم
أدى فشل التلقين إلى ظهور نماذج تعليمية بديلة أثبتت فعاليتها، من بينها التعلم القائم على المشاريع، حيث يبحث الطالب عن المعرفة لتوظيفها في حل مشكلات حقيقية. كما برز التعلم الاستقصائي الذي يبدأ بالسؤال بدل الإجابة، ويتحول فيه دور المعلم من ناقل للمعلومة إلى ميسّر للتعلم. ويأتي الذكاء الاصطناعي اليوم بوصفه أداة مساعدة تتيح تخصيص التعلم وفق قدرات الطالب وسرعته، مما يعزز دوره الفاعل في العملية التعليمية.
كيف نتحرر من فخ التلقين؟
للانتقال من بيئة تلقينية إلى بيئة تفكيرية، لا بد من إعادة النظر في نوعية الأسئلة المطروحة، واستبدال أسئلة الحفظ بأسئلة التحليل والتفسير والتوقع. كما يجب منح الطالب مساحة للخطأ، لأن التعلم الحقيقي يقوم على التجربة والمحاولة، لا على الخوف من الفشل. ويتطلب ذلك أيضًا تحويل الفصل الدراسي إلى مساحة للحوار والمناقشة والمناظرة، بدل أن يكون مكانًا للاستماع الصامت.
الخاتمة
يُقال إن المعلم الذي يمكن استبداله بآلة يستحق أن يُستبدل. فالذكاء الاصطناعي قادر على التلقين ونقل المعلومات بكفاءة أعلى من الإنسان، لكنه لا يستطيع أن يلهم الطلبة أو يغرس فيهم الشغف أو يبني شخصياتهم. إن موت التلقين لا يعني نهاية دور المعلم، بل يمثل بداية دوره الحقيقي بوصفه مهندسًا للعقول ومحفزًا للإبداع، لا مجرد ناقل للمعلومات.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .
الهدف الرابع (التعليم الجيد)