لطالما ركزت المنظومات التعليمية التقليدية على ماذا نعلّم، متجاهلةً كيف يشعر الطالب أثناء عملية التعلم. وتؤكد الأبحاث الحديثة في علم الأعصاب التربوي أن الدماغ البشري مبرمج بيولوجيًا لإعطاء الأولوية للأمان قبل التعلم؛ فعندما يشعر الطالب بالتهديد أو القلق أو السخرية، يتراجع نشاط الفص الجبهي المسؤول عن التفكير المنطقي، وتتولى اللوزة الدماغية مهام الدفاع عن الذات. في هذه الحالة يصبح التعلم بطيئًا وسطحيًا، مما يجعل البيئة الصفية الآمنة شرطًا أساسيًا لحدوث الاستيعاب الحقيقي.
مفهوم البيئة الصفية الآمنة
لا تقتصر البيئة الصفية الآمنة على السلامة الجسدية فقط، بل تشمل الأمان النفسي والاجتماعي الذي يشعر فيه الطالب بأنه مقبول بغض النظر عن مستواه الدراسي، وقادر على ارتكاب الخطأ دون خوف من السخرية أو العقاب، ومحترم في آرائه وتساؤلاته مهما بدت بسيطة. هذه المشاعر تشكّل الأساس النفسي الذي يسمح للعقل بالانفتاح والتفاعل الإيجابي مع المعرفة.
أثر الدعم النفسي في تسريع الاستيعاب
عندما يحظى الطالب بدعم نفسي حقيقي، تحدث تغييرات فسيولوجية وذهنية مهمة، حيث يسهم التشجيع في إفراز هرمونات مثل الدوبامين والأوكسيتوسين، مما يعزز التركيز ويقوي الذاكرة. كما يؤدي الدعم إلى خفض ما يُعرف بمرشح العاطفة، وهو الحاجز النفسي الذي يمنع وصول المعلومات إلى مراكز المعالجة في الدماغ عند الشعور بالقلق أو الخوف. إضافة إلى ذلك، يصبح الطالب أكثر جرأة على طرح الأسئلة والمبادرة بالتجربة، وهي عناصر أساسية للفهم العميق وليس الحفظ السطحي.
استراتيجيات عملية لبناء بيئة صفية داعمة
يمكن للمعلم تحويل الفصل إلى ملاذ آمن للتعلم من خلال تبني ثقافة الخطأ الإيجابي، بحيث يُنظر إلى الخطأ بوصفه فرصة للتعلم وليس دليلاً على الفشل. كما يُعد الاستماع النشط للطلبة، وفتح مساحة إنسانية في بداية الحصة، من العوامل التي تعزز الثقة والانتماء. ويأتي التعزيز الإيجابي المخصص كأداة فعالة لبناء تقدير الذات، من خلال الإشادة بجهد الطالب وطريقة تفكيره وليس بالنتيجة فقط.
دور المعلم في عصر الذكاء الاصطناعي
في ظل توفر أدوات تقنية قادرة على شرح المعلومات بدقة وسرعة، يبرز الدور الإنساني للمعلم بوصفه عنصرًا لا يمكن استبداله. فالتكنولوجيا تقدم المعرفة، بينما يقدم المعلم الاحتواء النفسي وبناء الثقة والدافعية. والبيئة الصفية الآمنة هي التي تحول الطالب من متلقٍ سلبي إلى متعلم فاعل ومبدع.
خطوات عملية لبناء بيئة صفية آمنة نفسيًا
يبدأ ذلك بكسر حاجز الجليد عبر استقبال دافئ وتواصل بصري وسؤال بسيط عن أحوال الطلبة. ثم باحتضان الخطأ وتحويله إلى لحظة تعليمية إيجابية. ويُعد الاستماع بقصد الفهم لا الرد من أهم ركائز الأمان النفسي، إلى جانب إظهار الثقة بقدرات الطلبة ورفع سقف التوقعات بشكل داعم. كما أن رفض التنمر بشكل قاطع ووضع قواعد واضحة لاحترام الجميع يعزز شعور الحماية والعدالة داخل الصف.
الخاتمة
إن بناء بيئة صفية آمنة هو استثمار طويل الأمد في التحصيل الدراسي والنمو النفسي للطلبة. فعندما يشعر الطالب بالطمأنينة والقبول، يعمل عقله بأقصى طاقته على الفهم والتحليل والإبداع. قد ينسى الطلبة تفاصيل الدرس، لكنهم لن ينسوا أبدًا كيف جعلهم المعلم يشعرون داخل الصف، فالعقل المنفتح يبدأ دائمًا بقلب مطمئن.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .
الهدف الرابع (التعليم الجيد)