يُعدّ الفن أحد أهم المظاهر الحضارية التي عبّرت عن فكر الإنسان القديم ومعتقداته ونظرته إلى الكون والحياة. وقد شكّل الفن في الحضارات القديمة وسيلة للتوثيق والتعبير الروحي والسياسي والاجتماعي، فكان مرآة تعكس تطور المجتمعات الأولى وتنظيمها وقيمها الثقافية. ومن أبرز هذه الحضارات حضارة بلاد الرافدين، والحضارة المصرية القديمة، وحضارة وادي السند.
في حضارة بلاد الرافدين، التي نشأت بين نهري دجلة والفرات، ارتبط الفن بالدين والسلطة ارتباطًا وثيقًا. فقد تجلّى ذلك في بناء الزقورات الضخمة التي عكست الاعتقاد بقدسية المكان وعلو شأن الآلهة، كما ظهرت المنحوتات والتماثيل التي مثّلت الملوك والكهنة بوضعيات تعبّر عن الخشوع والقوة. وتميزت الأختام الأسطوانية بالنقوش الدقيقة التي صوّرت مشاهد دينية وأسطورية وحياتية، مما يدل على تطور الحس الفني والمهارة التقنية لدى الفنان الرافديني.
أما في الحضارة المصرية القديمة، فقد اتسم الفن بالثبات والرمزية والالتزام بالقواعد الصارمة، إذ ارتبط ارتباطًا مباشرًا بفكرة الخلود والحياة بعد الموت. ظهرت الجداريات داخل المعابد والمقابر لتوثّق الحياة اليومية والطقوس الدينية، وتميّزت بطريقة التصوير الجانبي للجسم مع إبراز الوجه والعينين بشكل واضح. كما برع المصريون في النحت، خاصة في تماثيل الفراعنة التي جسّدت الهيبة والسلطة، إضافة إلى العمارة الضخمة المتمثلة بالأهرامات والمعابد التي لا تزال شاهدة على عظمة الفن المصري القديم.
وفي حضارة وادي السند، التي ازدهرت في مناطق باكستان والهند حاليًا، اتسم الفن بالبساطة والتنظيم والدقة. فقد أظهرت المدن مثل موهينجو دارو وهارابا تخطيطًا عمرانيًا متقدمًا يعكس فكرًا هندسيًا واضحًا. وتميزت الأختام الحجرية الصغيرة بنقوش لحيوانات ورموز غامضة لم يُفكّ رموزها حتى اليوم، كما عُثر على تماثيل صغيرة من البرونز والطين تعكس اهتمام الإنسان بالجمال والحياة اليومية. ويشير هذا الفن إلى مجتمع منظم يهتم بالتفاصيل ويوازن بين الوظيفة والجمال.
وعلى الرغم من اختلاف البيئات الجغرافية والعقائد الدينية بين هذه الحضارات، إلا أن الفن فيها جميعًا شكّل وسيلة للتعبير عن الهوية والسلطة والإيمان. لقد كان الفن أداة لتوثيق التاريخ، وتجسيد المعتقدات، وتنظيم الفضاء المعماري، مما يؤكد أن الإبداع الفني كان جزءًا أصيلًا من بناء الحضارة الإنسانية منذ بداياتها الأولى.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق.
الهدف 11 – المدن و المجتمعات المستدامة