أ.د حيدر علي الدليمي
كلية العلوم الإدارية - جامعة المستقبل
في عالم يشهد تحولات معرفية وتكنولوجية متسارعة، لم يعد التعليم مسؤولية مؤسسة واحدة أو دولة بعينها، بل أصبح مشروعًا عالميًا تشترك فيه الحكومات والمؤسسات الأكاديمية والقطاع الخاص والمجتمع المدني. ويجسد هذا التوجه ما أكدته الأمم المتحدة ضمن أهداف التنمية المستدامة، لا سيما الهدف الرابع: التعليم الجيد والهدف السابع عشر: عقد الشراكات لتحقيق الأهداف، حيث يشكل التكامل بينهما حجر الأساس لبناء مستقبل أكثر عدالة واستدامة.
التعليم الجيد: أساس التنمية الشاملة
يركز الهدف الرابع على ضمان تعليم شامل ومنصف وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع. فالتعليم لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يتعداه إلى بناء الشخصية، وتعزيز التفكير النقدي، وتنمية المهارات اللازمة لسوق العمل. ومن خلال بيئة تعليمية محفزة، يمكن إعداد جيل قادر على الابتكار والمنافسة والمساهمة الفاعلة في تنمية مجتمعه.
غير أن تحقيق تعليم عالي الجودة يواجه تحديات متعددة، مثل محدودية الموارد، والتفاوت في فرص الوصول إلى التعليم، والفجوة الرقمية، والحاجة إلى تطوير المناهج بما يتماشى مع متطلبات العصر. وهنا يبرز دور الشراكات بوصفها أداة استراتيجية لتجاوز هذه التحديات.
الشراكات: جسر نحو تعليم مستدام
يؤكد الهدف السابع عشر على أهمية بناء شراكات فعالة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فالتعاون بين الجامعات والمؤسسات البحثية والهيئات الحكومية والمنظمات غير الربحية والشركات الخاصة يسهم في تبادل الخبرات، وتوفير التمويل، ونقل التكنولوجيا، ودعم البحث العلمي.
وعلى مستوى الكليات والجامعات، يمكن أن تتجلى هذه الشراكات في صور متعددة، مثل:
• برامج التبادل الأكاديمي مع جامعات دولية.
• مشاريع بحثية مشتركة تعالج قضايا تنموية ملحة.
• اتفاقيات تدريب عملي مع مؤسسات القطاعين العام والخاص.
• مبادرات مجتمعية تهدف إلى رفع كفاءة التعليم في المدارس المحلية.
هذه الجهود المشتركة لا تعزز جودة العملية التعليمية فحسب، بل تسهم أيضًا في توسيع آفاق الطلبة وأعضاء هيئة التدريس، وتربط المعرفة النظرية بالتطبيق العملي.
من المحلية إلى العالمية
لم يعد التعليم محصورًا داخل جدران الفصول الدراسية؛ فالتقنيات الحديثة فتحت آفاقًا واسعة للتعلم الرقمي والتعاون عبر الحدود. ومن خلال التحالفات الدولية، يمكن للمؤسسات الأكاديمية الوصول إلى موارد تعليمية عالمية، والمشاركة في شبكات بحثية متخصصة، وتطوير برامج دراسية مشتركة تمنح الطلبة خبرات متعددة الثقافات.
كما أن هذه الشراكات تسهم في دعم الابتكار وريادة الأعمال، عبر حاضنات الأعمال والمختبرات البحثية المشتركة، مما يعزز دور الجامعات كمحركات للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
مسؤولية مشتركة لمستقبل أفضل
إن تحقيق تعليم مستدام يتطلب رؤية استراتيجية تتكامل فيها الجهود الأكاديمية والإدارية والمجتمعية. فكل شراكة ناجحة هي استثمار في الإنسان، وكل مبادرة تعاونية هي خطوة نحو مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة التحديات.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية أن تتبنى الكليات والجامعات ثقافة التعاون والانفتاح، وأن تسعى إلى بناء علاقات مستدامة قائمة على الثقة وتبادل المنافع. فبقدر ما تتسع دائرة الشراكات، تتعزز فرص تحقيق تعليم نوعي يواكب تطلعات الأجيال القادمة.
ختامًا، فإن الانتقال من الفصول الدراسية إلى التحالفات الدولية ليس خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة حتمية لضمان تعليم مستدام وشامل. وعندما تتكامل الرؤى وتتضافر الجهود، يصبح التعليم قوة دافعة للتنمية، وجسرًا يربط بين الطموحات المحلية والآفاق العالمية