تمثّل قصة يوسف وزليخة في سورة يوسف نموذجًا إنسانيًا وتربويًا بالغ العمق، يتجاوز الإطار القصصي ليقدّم رؤية متكاملة لبناء الوعي النفسي والأخلاقي لدى الفرد، وهو ما ينسجم بوضوح مع مرتكزات أهداف التنمية المستدامة التي تركز على الإنسان بوصفه محور التنمية وغايتها. فالقصة لا تعرض موقفًا عاطفيًا عابرًا، بل تكشف آليات التعلّق غير الصحي، وأهمية ضبط الرغبة، ودور القيم في تشكيل سلوك متوازن يسهم في بناء فرد صالح ومجتمع مستقر.
من المنظور النفسي، يمكن فهم اندفاع زليخة في بدايات القصة بوصفه حالة من التعلّق القهري أو الهوس العاطفي، حيث يتحوّل الآخر إلى وسيلة لسدّ فراغ داخلي بدل أن يكون شريكًا إنسانيًا متكاملًا. هذا النمط من السلوك يعكس ضعف الوعي بالذات، ويؤدي إلى اختلال نفسي واجتماعي، وهو ما يتعارض مع هدف الصحة الجيدة والرفاه النفسي، أحد أهداف التنمية المستدامة، الذي يؤكد أهمية التوازن الانفعالي والصحة النفسية للفرد.
في المقابل، يقدّم يوسف عليه السلام نموذجًا راقيًا في قوة الهوية وضبط السلوك، إذ واجه ضغط الرغبة بإرادة واعية واختار الالتزام بالقيم الأخلاقية رغم كلفته العالية. هذا الموقف يجسّد مفهوم التمكين الذاتي وبناء الشخصية القادرة على اتخاذ القرار الأخلاقي، وهو ما ينسجم مع هدف التعليم الجيد الذي لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يركّز على بناء إنسان واعٍ، قادر على التفكير النقدي، وضبط السلوك، وتحمل المسؤولية.
كما تكشف القصة أن الخطأ لا يعني السقوط الدائم، بل يمكن أن يكون نقطة انطلاق نحو النضج، وهو ما يتجلّى في اعتراف زليخة بالحقيقة في نهاية المطاف. فالاعتراف بالخطأ وتحمل المسؤولية يمثلان أساسًا لإعادة البناء النفسي والاجتماعي، ويعزّزان قيم العدل، والمساءلة، والنزاهة، وهي قيم تتقاطع مع هدف السلام والعدل والمؤسسات القوية ضمن أهداف التنمية المستدامة.
ومن خلال هذا الطرح، تؤكد القصة أن الحب الحقيقي لا يقوم على التملك أو السيطرة، بل على الاحترام والوعي والاستقلالية النفسية، وأن السلوك الأخلاقي الواعي هو الأساس في بناء علاقات إنسانية صحية، ومجتمع متماسك، وتنمية مستدامة تبدأ من الفرد وتمتد إلى الأسرة ثم المجتمع.
وبذلك تقدّم قصة يوسف وزليخة درسًا تربويًا معاصرًا يؤكد أن التنمية الحقيقية لا تتحقق دون تنمية الوعي، وضبط السلوك، وترسيخ القيم الأخلاقية بوصفها دعائم أساسية لبناء الإنسان والمجتمع.
جامعة المستقبل
الجامعة الاولى في العراق