في رحاب العدالة العراقية، لا يقف القانون المدني رقم 40 لسنة 1951 مكتوف الأيدي أمام الأبخرة التي تزاحم الأنفاس، بل يستحيل إلى درعٍ قوية تحمي الجوار من عسف الصناعة؛ فالمسؤولية المدنية للمصانع تجد أساسها المتين في المادة (186/1) التي قررت مبدأً ذهبياً: "كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بالضمان"، ليكون هذا النص هو السوط الذي يلاحق كل منشأة تظن أن الربح يبرر تلويث الحياة. إن القانون العراقي، بروحه الإنصافية، لم يشترط "الخطأ الجسيم" بل اكتفى بوقوع "الإضرار"، وهو ما يعززه نص المادة (231) التي وضعت "أصحاب الأعمال" أمام مسؤولية جسيمة عن الآلات والأشياء التي تتطلب عناية خاصة، فجعلت من تلوث الهواء أو التربة "خطأً مفترضاً" يوجب التعويض ما لم يثبت المصنع القوة القاهرة.
إن هذا التعويض المدني، بسلطته الجابرة، يحول الضرر البيئي من مجرد مخالفة إدارية إلى "دينٍ شخصي" في ذمة الملوث، استناداً للمادة (204) التي اعتبرت كل تعدٍ يصيب الغير بضرر يستوجب التعويض، سواء مسّ هذا التعدي سلامة الأجساد أو حرم الناس من طيب السكن في بيئةٍ نقية. وهكذا، يستحيل التعويض المدني في العراق إلى رسالةٍ صارمة تذكّر أصحاب المصانع بأن "الضرر لا يزال بمثله" (المادة 4) و "الضرر يزال" (المادة 1213)، مؤكداً أن حماية رئة الإنسان وتربة الوطن هي الغاية الأسمى التي تتقدم على صرير التروس، ليبقى القضاء المدني العراقي هو الملاذ الذي يعيد الحقوق لأصحابها بإنصافٍ لا يحيد عن جادة الحق.
أ.م.د فاطمة عبد الرحيم المسلماوي
كلية القانون - جامعة المستقبل