لم يعد العالم قرية صغيرة كما كان يُقال، بل أصبح في منعطف يسوده القلق من التطور الهائل في جميع المجالات، حيث تجاوز التطور الحدود الجغرافية والسياسية والاجتماعية، وصولاً إلى الأسرة وقضاياها عبر الاتصالات الذكية والذكاء الاصطناعي، مما شكل مجتمعاً يُمكن تسميته بـ "الوطن المعلوماتي"، ودخل فيه القضاء أيضاً.
المجال الأسري المحكوم بالعرف والدين والقانون أصبح عرضة للاختراق، وظهرت مشاكل الأسرة للعلن، ما أثار تساؤلات حول: هل يمكن وضع إطار قانوني للذكاء الاصطناعي في قضايا الأحوال الشخصية؟ وما مدى حجية الذكاء الاصطناعي فيها؟
مسائل الأحوال الشخصية تتميز بالخصوصية، وقد أكد قانون المرافعات رقم 83 لسنة 1969 وقانون الإثبات رقم 107 لسنة 1979 على هذه الخصوصية، مثل عدم إلزامية مدة الطعن في دعاوى الطلاق والنسب، وقيود الإثبات على التفريق القضائي عند غياب الزوج. لذا، يكون الذكاء الاصطناعي محدود المجال في هذه القضايا.
في عقد الزواج، يُعد الإيجاب والقبول وحضور الشهود ركناً أساسياً، لكن ما إذا كان المجلس افتراضياً عبر الذكاء الاصطناعي مسموح؟ الإمارات طبقت عام 2017 تجربة "الزواج الذكي"، حيث يجتمع الزوجان والشهود مع روبوت متصل بالقاضي، ويتم تلقين صيغة النكاح وإصدار العقد. لتحقيق ذلك، يجب ربط النظام بكافة بيانات الأطراف وتعديل القوانين ذات الصلة، وينطبق الأمر على الحجج الشرعية الأخرى مثل الوفاة والقسام الشرعي والوصاية.
في إدارة الدعوى، يمكن للذكاء الاصطناعي تسجيل الدعوى، تعيين المواعيد وفق طبيعة القضايا، إصدار التبليغات، سماع الشهود عن بعد، والمساعدة في الخبرات، لكنه لا يستطيع استبدال القاضي أو الفصل في الموضوعية، مثل إصدار حكم نهائي بناءً على دفوع الأطراف، إذ يبقى دوره مسانداً وليس قضائياً.
م. م عمار يوسف خضير دحام
كلية القانون - جامعة المستقبل
إقرا أيضاً