كيف يمكن أن تتحقق العدالة إذا لم يُصن حق الإنسان في الكرامة؟
الكرامة الإنسانية ليست مجرد قيمة أخلاقية أو مبدأ فلسفي، بل هي الركيزة التي يقوم عليها مفهوم العدالة في أي مجتمع يسعى إلى الاستقرار والإنصاف، فالإنسان يولد حراً، مكرماً، لا يجوز أن يُعامل كوسيلة أو أداة، بل كغاية في ذاته، ومن هنا، يصبح احترام كرامته شرطاً أساسياً لتحقيق العدالة، لأن العدالة التي تتجاهل إنسانية الفرد تتحول إلى مجرد سلطة قمعية أو نظام شكلي بلا روح، حين نتأمل في التجارب القانونية والدستورية عبر التاريخ، نجد أن الاعتراف بالكرامة الإنسانية كان نقطة التحول الكبرى في بناء الأنظمة العادلة، فالقوانين التي تضع الإنسان في مركز الاهتمام، وتكفل له حقوقه الأساسية في الحرية والمساواة والأمان، هي وحدها التي تستطيع أن تحقق التوازن بين السلطة والحقوق. أما حين يُهمش هذا الحق، فإن العدالة تفقد معناها، وتتحول إلى أداة لتكريس التمييز أو الاستبداد.
الكرامة أيضاً ليست مجرد حق فردي، بل هي أساس العلاقة بين الفرد والمجتمع. فالمجتمع العادل هو الذي يضمن لكل أفراده أن يعيشوا بكرامة، وأن تُحترم إنسانيتهم بغض النظر عن اختلافاتهم. وهذا ينعكس في التشريعات التي تحمي الضعفاء، وتمنع الاستغلال، وتكفل تكافؤ الفرص. العدالة هنا لا تُقاس فقط بميزان العقوبات أو توزيع الحقوق، بل بمدى احترامها لجوهر الإنسان.
إن الحق في الكرامة يفرض على العدالة أن تكون شاملة، لا تقتصر على الجانب القانوني البحت، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. فلا يمكن الحديث عن عدالة حقيقية في ظل فقر مدقع أو تمييز ممنهج أو إقصاء جماعي. الكرامة تقتضي أن يُعامل الإنسان بما يليق بإنسانيته، وأن تُصان حقوقه في التعليم والعمل والصحة والحرية الفكرية والسياسية.
وبذلك، يصبح الحق في الكرامة هو المعيار الذي يُختبر به صدق العدالة. فإذا احترمت العدالة هذا الحق، كانت عادلة بحق، وإذا تجاهلته، فقدت مشروعيتها. فالكرامة ليست امتيازاً يُمنح، بل هي حق أصيل، والعدالة الحقيقية هي التي تعترف به وتبني عليه كل قواعدها.
بقلم م. م صبا صباح تايه طخاخ
جامعة المستقبل الاولى على الجامعات الاهلية