الفقر في العراق وتحديات الاستجابة المستدامة: قراءة تحليلية في كلفة الأثر ضمن إطار أهداف التنمية المستدامة – مؤتمر كلية العلوم الإدارية
أ.د حيدر علي الدليمي
كلية العلوم الإدارية
يشكّل الفقر في العراق واحدًا من أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه مسار التنمية، إذ لم يعد مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة، بل تحوّل إلى قضية متعددة الأبعاد تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية. وفي ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العراقي، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة واقع الفقر من منظور تحليلي يربط بين كلفة آثاره الممتدة، وفاعلية سياسات الاستجابة، ضمن إطار أهداف التنمية المستدامة.
إن الفقر في العراق لا يقتصر على انخفاض الدخل، بل يتجلى في ضعف الوصول إلى الخدمات الأساسية، وتدهور جودة التعليم والرعاية الصحية، وارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين فئة الشباب. كما أن التفاوت المكاني بين المحافظات، والتباينات في توزيع الموارد، يعمّقان من فجوة الفقر ويجعلان معالجته أكثر تعقيدًا.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تحليل كلفة الأثر للفقر، والتي لا تقتصر على الخسائر الاقتصادية المباشرة، بل تشمل أيضًا الآثار غير المباشرة بعيدة المدى، مثل انخفاض الإنتاجية، وتراجع رأس المال البشري، وزيادة الأعباء على المالية العامة. فالفقر يفرض كلفة مركبة على الاقتصاد الوطني، تؤثر في فرص النمو والاستقرار، وتحدّ من قدرة الدولة على تحقيق تنمية شاملة ومستدامة.
وفي المقابل، تواجه سياسات الاستجابة في العراق تحديات متعددة، من أبرزها ضعف التنسيق المؤسسي، وتشتت البرامج الاجتماعية، واعتمادها في كثير من الأحيان على المعالجات الآنية بدلًا من الحلول الهيكلية. كما أن محدودية البيانات الدقيقة، وغياب أنظمة الاستهداف الفعّالة، يقللان من كفاءة هذه السياسات في الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
وفي هذا السياق، تمثل أهداف التنمية المستدامة إطارًا مرجعيًا مهمًا يمكن من خلاله إعادة توجيه السياسات نحو معالجة أكثر شمولًا واستدامة للفقر، لاسيما الهدف الأول المتعلق بالقضاء على الفقر، إلى جانب الأهداف المرتبطة بالتعليم الجيد، والعمل اللائق، والحد من أوجه عدم المساواة. إذ إن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تبني نهج تكاملي يربط بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ويعزز من كفاءة استخدام الموارد.
ويأتي مؤتمر كلية العلوم الإدارية ليسلط الضوء على هذه الإشكالية المحورية، من خلال فتح آفاق الحوار الأكاديمي والبحثي حول سبل تقدير كلفة الفقر، وتحليل فعالية سياسات الاستجابة، واقتراح رؤى مبتكرة تستند إلى المعايير الدولية وأفضل الممارسات. كما يسعى المؤتمر إلى تعزيز دور المؤسسات الأكاديمية في دعم صناع القرار، عبر تقديم دراسات علمية رصينة تسهم في بناء سياسات قائمة على الأدلة.
ختامًا، فإن معالجة الفقر في العراق تتطلب انتقالًا نوعيًا من السياسات التقليدية إلى استراتيجيات تنموية مستدامة، تأخذ بنظر الاعتبار كلفة الأثر بعيدة المدى، وتستند إلى التخطيط المتكامل والشراكة بين مختلف الفاعلين. وهو ما يجعل من هذا المؤتمر منصة علمية مهمة لإعادة التفكير في مستقبل التنمية في العراق، بما يحقق العدالة الاجتماعية ويعزز فرص الازدهار للأجيال القادمة.
جامعة المستقبل.. الأولى على الجامعات الأهلية في العراق.