اعداد التدريسي الحقوقي م.م الحسن علي روضان
مقدمة:
يُعد فهم أسباب السلوك الإجرامي من أكثر الأسئلة تعقيدًا في علم النفس الحديث. فلماذا يختار بعض الأفراد ارتكاب الجرائم بينما لا يفعل الآخرون ذلك؟ يكشف علم النفس الإجرامي أن الإجابة لا تقتصر على سبب واحد، بل هي تفاعل معقد بين العوامل النفسية الداخلية والبيئية المحيطة. يستعرض هذا المقال دوافع السلوك الإجرامي من خلال أبرز النظريات النفسية التي تفسر كيف تتشكل هذه السلوكيات ولماذا يستمر بعض الأفراد في مسار إجرامي.
---
أولاً: نظريات التعلم: السلوك الإجرامي كمهارة مكتسبة
تفترض نظريات التعلم أن السلوك الإجرامي ليس فطريًا، بل يُتعلم من خلال التفاعل مع البيئة.
نموذج باندورا للتعلم الاجتماعي يشير إلى أن الأفراد يتعلمون العدوان والسلوك الإجرامي عبر مراقبة الآخرين وتقليدهم، خاصةً إذا كان النموذج المراقب شخصًا مقربًا مثل الوالدين أو الأصدقاء، أو إذا بدت نتائج السلوك الإجرامي مرغوبة. أظهرت تجربة "دمية بوبو" الشهيرة أن الأطفال الذين شاهدوا بالغين يمارسون العدوان كانوا أكثر ميلاً لتقليد هذا السلوك.
التكييف الفعال (Operant Conditioning) : وفقًا لسكينر، فإن السلوكيات التي تُكافأ تميل إلى التكرار، بينما السلوكيات التي تُعاقب تميل إلى الانخفاض. إذا أدت جريمة صغيرة إلى مكسب مالي أو قبول اجتماعي (تعزيز إيجابي)، أو إلى التخلص من وضع مزعج كالفقر (تعزيز سلبي)، فإن احتمال تكرارها يزداد.
---
ثانيًا: نظريات الشخصية: هل يولد المجرم أم يصنع؟
تركز هذه النظريات على السمات الثابتة التي تجعل الفرد أكثر عرضة للسلوك الإجرامي.
الاعتلال النفسي (Psychopathy) يمثل أقصى أطراف السمات الإجرامية، ويتسم بانعدام التعاطف والندم، والاندفاعية، والسطحية العاطفية. تشير الأبحاث إلى أن الأفراد ذوي هذه السمات يستجيبون بشكل مختلف للمنبهات العاطفية مقارنة بغيرهم.
نظرية آيزنك (Eysenck) ربطت بين الإجرام وثلاثة أبعاد رئيسية للشخصية:
· العصابية (Neuroticism) : عدم الاستقرار العاطفي والقلق.
· الذهانية (Psychoticism) : البرودة العاطفية والعدائية.
· الانبساطية (Extraversion) : الحاجة إلى الإثارة والتهور.
وفقًا لهذه النظرية، يرتكب الأفراد الجرائم بسبب فشلهم في كبح دوافعهم الأنانية والسعي وراء المتعة. تشير الأبحاث إلى أن سمات مثل الاندفاعية والبحث عن الإثارة وانخفاض التعاطف تزيد من احتمالية الانخراط في السلوك الإجرامي.
---
ثالثًا: النظريات المعرفية: كيف نفكر بشكل إجرامي؟
تركز النظريات المعرفية على طريقة معالجة الفرد للمعلومات واتخاذه للقرارات.
النمو الأخلاقي (Moral Development) : بناءً على أعمال لورانس كولبرغ، يُفترض أن المجرمين غالبًا ما يكونون عالقين في مراحل مبكرة من التطور الأخلاقي (ما قبل التقليدية)، حيث يُوجه سلوكهم بمعايير المكافأة والعقاب بدلاً من المبادئ الأخلاقية المجردة.
البنية المعرفية والمحتوى المعرفي:
· البنية المعرفية تشير إلى قدرات الفرد على حل المشكلات والحكم على المواقف.
· المحتوى المعرفي يشمل المعتقدات والقيم التي يحملها الفرد. غالبًا ما يظهر المجرمون تشوهات معرفية مثل "تبرير الأذى" أو "إلقاء اللوم على الضحية".
---
رابعًا: العوامل النفسية الاجتماعية والبيئية.
لا تحدث الدوافع النفسية في فراغ، بل تتفاعل مع البيئة الاجتماعية.
ديناميكيات الأسرة:
· الطفولة المضطربة، والإهمال، والانضباط غير المتسق، ووجود أبوين مجرمين، كلها عوامل تزيد بشكل كبير من خطر السلوك الإجرامي.
· ترتبط عدم الاستقرار الأسري في الطفولة بارتفاع معدلات جنوح الأحداث.
تأثير الأقران:
تشير الدراسات إلى أن وجود أصدقاء منحرفين هو أحد أقوى المؤشرات على السلوك الإجرامي. فالأطفال الذين لديهم أصدقاء متورطون في أنشطة غير قانونية هم أكثر عرضة لارتكاب الجرائم بأنفسهم.
الاضطرابات النفسية:
على الرغم من أن معظم الأشخاص المصابين باضطرابات نفسية ليسوا عنيفين، إلا أن هناك علاقة معقدة بين بعض الاضطرابات والإجرام:
· حوالي 64% من نزلاء السجون المحلية في الولايات المتحدة يعانون من أعراض مرض نفسي.
· ترتبط اضطرابات الشخصية المعادية للمجتمع واضطراب السلوك بشكل خاص بارتفاع معدلات السلوك الإجرامي.
---
خامسًا: نموذج متعدد العوامل
يتفق علماء النفس المعاصرون على أن السلوك الإجرامي نادرًا ما يُعزى إلى عامل واحد. بدلاً من ذلك، فهو نتيجة تفاعل معقد بين:
المستوى العوامل المؤثرة
البيولوجي الاستعداد الوراثي، بنية الدماغ ووظائفه، النواقل العصبية
النفسي سمات الشخصية، التشوهات المعرفية، الصحة النفسية
الاجتماعي ديناميكيات الأسرة، تأثير الأقران، الفقر، التعليم
نموذج الخطورة والحاجة والاستجابة (RNR) يُستخدم في برامج إعادة التأهيل، ويفترض أن التدخلات الأكثر فعالية هي التي تستهدف العوامل المرتبطة مباشرة بالسلوك الإجرامي للفرد.
---
خاتمة
يكشف استكشاف الدوافع النفسية للسلوك الإجرامي عن تفاعل معقد بين التعلم والشخصية والإدراك والبيئة. فالإجرام ليس نتاج سبب واحد بسيط، بل هو نتاج تراكمي لمسارات تنموية متعددة. هذا الفهم لا يبرر السلوك الإجرامي، بل يوفر أساسًا علميًا لتطوير استراتيجيات أكثر فعالية للوقاية وإعادة التأهيل، مع الاعتراف بأن معالجة السلوك الإجرامي تتطلب نظرة شمولية تأخذ في الاعتبار الفرد ككل داخل سياقه الاجتماعي والنفسي.
جامعة المستقبل .....( هي الجامعة الاولى في العراق )