النضوج القانوني لدى المشرع العراقي القديم<br />م.م ثامر عبد الجبار السعيدي<br />كلية المستقبل الجامعة<br />[email protected]<br /> إهتمت الحضارات القديمة في وادي الرافدين كثيرًا بتنظيم حياة الناس داخل المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها ، وكانت هذه الحضارات لها قصب السبق في ظهور أولى التشريعات القانونية المنظمة لتفاصيل الحياة الإجتماعية آنذاك ، بإسلوبٍ مبتكرٍ ، وربما تكون هذه التشريعات القانونية قد أُستحدِثت من واضعيها ؛ لأجل تأسيس قاعدةٍ تشريعيةٍ ، تكون مرجعًا في المستقبل ، لما يستجد حدوثه مابين أفراد الشعب في علاقتهم مع بعضهم البعض ، أو في علاقتهم مع من يحكمهم ، على نحوٍ يستطيع بموجبه الحاكم من التخلص من الفوضى ، والمشاكل بإسلوبٍ وقائيٍ قبل وقوعها ، من دون أن يضطَر إلى إستخدام القوة ، والبطش ؛ لأجل القضاء عليها ، ومن المنطق أن يكون الهدف من ذلك كله ، تحقيق الأمن ، والإستقرار بين أفراد الشعب ، وتحقيق العدالة والمساواة فيما بينهم .<br /> بيد إن غالبية أفراد المجتمع آنذاك إلتزموا بما أصدره الحاكم من تشريعات ، لأنهم كانوا يعتبرون الحاكم في ذلك الوقت إلهً ، ومخالفة الإله تستوجب عقابًا دنويًا وآخرويًا ، وكان هذا الإعتقاد سببًا في ثبات ، وإستقرار ، وإستمرار القوانين ، والتشريعات العراقية القديمة ، وقد نظَمت هذه القوانين جوانب الحياة الإنسانية القديمة من الناحيتين الإجتماعية ، والإقتصادية ، وقد تم صياغة الأحكام القانونية في ذلك الوقت ، بإسلوبٍ بسيطٍ ، يخلو من الرصانة والبلاغة ، بإستثناء قانون حمورابي الذي يعد بحق أنضج قانونٍ مدونٍ مكتشفٍ إلى الآن ؛ وهذا هو سبب بقائه كمحورٍ أساسيٍ ، لأي دراسةٍ تاريخيةٍ قانونيةٍ في العراق ، وإتسم قانون حمورابي بخصائصٍ عديدةٍ ، ميَزته عن القوانين الشرقية ، والغربية القديمة ، ويقف في طليعة هذه الخصائص التي جعلت هذا القانون متقدمًا بالنسبة للقوانين ، والأعراف التي سبقته ؛ إنه سن بإسلوبٍ علميٍ كما هو الحال في القوانين الحديثة ؛ إذ تجنب كتابته بإٍسلوبٍ شعريٍ ، كالذي كانت تمتاز به تشريع القوانين التي سبقته ، فضلًا عن الوضوح في كتابة عبارات هذا القانون ، والصيغ القانونية التي تضمنته ، من هنا تتجلى بوضوحٍ إن المشرع القانوني في الحضارات العراقية القديمة كان يمتلك وعيًا ونضجًا قانونيًا ، وثقافةً قانونيةً متطورة نسبيًا آنذاك ، مق ارنةً مع الحضارات الأخرى ، إذ سطر لنا موادًا تشريعيةً ، بصياغةٍ قانونيةٍ رائعةٍ ، لامثيل لها في التاريخ البشري ، ليثبت فعلًا إن أرض وادي الرافدين ، هي مهد التشريعات القانونية الأولى ، والتي إنطلقت منها أولى الإصلاحات الإجتماعية والإقتصادية ، وإنبثقت منها النظم القانونية ، التي لاتزال إلى الآن مثار إعجاب العالم ، وهدفًا أساسيًا لكل باحثٍ قانوني ، وخصوصًا عند دراسته لتاريخ القانون القديم .<br />الكلمات المفتاحية : قانون حمورابي ، المشرع العراقي ، الحضارات القديمة .<br />