ارتبط مفهوم الجسد في التداول الفلسفي على طول تاريخ الفلسفة التقليدية، بكونه مرتبطا بالملذات وكأنه (عورة) لا ينبغي لأحد مدحها، وكأن النفس أو {الروح} هي شيء آخــر منفصل عن الجسم، و لكل منهما كيانه الخاص. هكذا صورت لنا الفلسفة التقليدية علاقة الجسد بالنفس، والمرادفة بين الروح والنفس، على قاعدة {قل الروح من أمر ربي}، وهنا يتداخل الفهم الديني مع الفهم الفلسفي التقليدي في تفسير العلاقة بين الجسد والنفس، أو الجسم والروح .<br /><br /> <br /><br />أن كل ما يُذم به الجسد إنما هو مرتبط بوجود الإنسان الأرضي، بل يتشاكلان ويتشابهان، ولا معنى للقبول بمفهوم {المعاد الجسماني} إن لم يكن الجسد هو الذي يُشكل الإحساس بالإثابة أو العقاب ، ووفق هذا الفهم، فمعنى الوجود الإنساني في الحياة وما بعدها إنما يتمثل بالجسد، لأنه مكمن الشعور باللذة أو الألم.<br />لقد أكد (ديكارت) فيلسوف العقلانية أن العقل والجسد كلاهما جوهران مستقلان، وقد يؤثر أحدهما بالآخر، ولا أخوض في متبنيات أصحاب {وحدة الوجود} اللذين يماثلان بين الجسد والعقل بوصفهما وجهين لعملة واحدة كما ذهب إلى ذلك (سبينوزا) {الطبيعة الطابعة} و {الطبيعة المطبوعة}، أو بعبارة (ميرلوبونتي) {نحن فكر مُتجسد وكيان في العالم<br />في المقابل هناك من عدّ الجسد أو (المادة) هي أصل الوجود، وما النفس والعقل والروح غير الطاقة الحيوية لهذه المادة، فالجوهر هو "المادة" أو الجسد.<br />واحدة من نقودات (نيتشه) المهمة للفلسفة التقليدية بشكل عام واليونانية بشكل خاص، هو هذا التمييز بين النفس والجسد، الذي لا يراه تمييزاً له مصداق في الحياة والفكر الذي نعرف، إذ يؤكد أنه يعرف جسده (حق المعرفة)، ولكنه لا يعرف روحه، هذا المفهوم الذي ينتمي للتفكير في ما وراء الميتافيزيقا، ولا قدرة لنا لحدّه أو تعريفه.<br />الجسد عند (نيتشه) هو الذي يمنح الإنسان {إرادة القوة} الذي سعى فيه لإعادة الحياة لـ {ديونيزيوس} المثال الأميز للتعبير عن الحياة وإعادة انتاج النشوة فيها خارج سطوة العقل وممارسته الوصاية على الجسد، لأن الحياة التي ينبغي أن تُعاش هي الحياة التي يكون فيها الجسد مصدر القوة والبهجة معاً، لذلك ابتكر لنا مفهوم "انقلاب القيم"، ويقصد بها قيم الخنوع والضعف والركون للميتافيزيقا، لذا نجده في كتابه {أفول الأصنام" يدافع عن كل الذين أنتجوا من القوة حياة جديدة قلبوا من خلالها القيم السابقة لإنتاج قيم "الإنسان الأرضي الفائق" القادر على خلق عالمه الذي يختاره هو، بمعزل عن وصاية العقلانيين والروحانيين الذين يتحدثون كثيراً عن المعاناة البشرية وهم يعيشون في أبراج عاجية فكرية أو حياتية.<br /><br />م.م حوراء نعمه كمال بيعي