الاستاذ الدكتور : عمار عباس الحسيني<br />كلية المستقبل الجامعة / قسم القانون<br /><br />عرض الاتجاهين الفقهي والتشريعي من المسألة<br /><br />اولاً : الموقف التشريعي من المسألة <br />بشكل عام تعد مسألة إكتساب الشخص المعنوي لصفة المؤلف، من المسائل الخلافية التي لم تتفق التشريعات بشأنها على حكم واحد، فموقف النظام اللاتيني هنا يختلف عن موقف النظام الانجلوسكسوني . <br />والحقيقة ان مسلك رفض إكتساب الشخص المعنوي لصفة المؤلف، هو ما تتجه اليه تشريعات النظام اللاتيني التي يعد التشريع الفرنسي خير من يمثلها والذي يذهب الى ان المؤلِف هو من يبتكر المصنف فعلاً، وهو ما تأثر به بـــعض التشريعات العربية والتي ذهبت صراحة الى قصر صفة المؤلف على "الشخص الطبيعي" فحسب ومنها القانون السوداني والجزائري واللبناني والمغربي والقطري والبحريني والعماني، والى التوجه ذاته تذهب تشريعات النظام الجرماني، ومن ثم فان حقوق المؤلف ترتبط بمن قَدَم الابتكار الذي يمثل الجانب الشخصي الذي لايمكن ان يتحقق في الشخص المعنوي . مع مراعاة ان هذا الاتجاه الرافض يستثنى منه أحياناً تلك "المصنفات الجماعية" التي يكتسب الشخص المعنوي –الى جانب الشخص الطبيعي فيها- المبادر او الموجه لصفة المؤلف بشكل إستثنائي ضيق جيداً . ومع ذلك ففي ظل هذا الاتجاه ذهب القانون الليبي الى تعريف المؤلف بأنه "الشخص الطبيعي او الاعتباري الذي سجل المصنف باسمه، إلا إذا قام الدليل على عكس ذلك..."، وهو ما يفيد خروج المشرع الليبي عن الغالب في التشريعات العربية بهذا الشأن .<br /> ولعل الاتجاه اللاتيني أعلاه يخالفه إتجاه النظام الانجلوسكسوني الذي ينظر الى المصلحة الاقتصادية في مجال التأليف، ومن أبرز تشريعات هذا الاتجاه القانون الأمريكي الذي يرى ان حق المؤلف يغلب عليه الطابع المالي الاقتصادي، ومن ثم قابلية هذا الحق للبيع والشراء بوصفه سلعةً تجارية، لذا فليس شرطاً في القانون الامريكي أن يكون المؤلف شخصاً طبيعياً، وكذا الحال في التشريع الانجليزي "قانون حق المؤلف الانجليزي والرسوم وبراءات الاختراع لسنة 1988، والذي يرى ان المؤلف هو الشخص الذي يقع على عاتقه الترتيبات الضرورية لتحقيق المصنف حتى وإن لم يوجد مؤلف بشري، بمعنى قبول صفة المؤلف للشخص سواءٌ كان شخصاً طبيعياً أم معنوياً ولاسيما في مجال المصنفات التي تتولد عن إستخدام الحاسوب "المصنفات الرقمية"، وهو ينسجم مع ما يذهب اليه الفقه الانجليزي من ان المؤلف هو صاحب المصلحة الاقتصادية على المصنف، أوضح من كونه صاحب الابداع او الابتكار في المصنف .<br /><br />ثانياً : الموقف الفقهي الرافض من المسألة<br />في الواقع، فقد ذهب الراجح من الفقه الى –في ظل المصنفات التقليدية- الى رفض أن يكون الشخص المعنوي "مؤلفاً"، وذلك بحجج متعددة، منها ان المصنف نتاج الفكر ومن ثم فان الشخص المعنوي غير قادر على التفكير، وان الذين يفكرون هم أشخاص طبيعيون تابعون للشخص المعنوي، كما ان هذا الشخص المعنوي يفتقر الى القدرة على الابداع الفكري مما يحول بينه وبين إمكان صيرورته مؤلفاً، وان المُصَنف يجب أن يتسم بالخَلق والإبتكار والاصالة وهو ما لايتوافر عليه الشخص المعنوي لإفتقاره للابتكار الذهني، وهذا الاخير يعد نتيجة إنفعال المؤلف وإنطباعه النفسي الذي لايتصور صدوره من غير الانسان، وان في إضفاء وصف "المؤلف" على الشخص المعنوي سيكون على خلاف الواقع الذي يتطلب وجود صلة روحية بين المؤلف المُبتكِر ومصنفه، وهو أمرٌ لايكون الا لمن قام بالإبتكار والتاليف فعلاً اوشارك فيه، ومن ثم يرى بعضهم إكتساب الشخص المعنوي لصفة "المؤلف" مجافٍ للحقيقة، لأن الشخص المعنوي كيانٌ إفتراضي او فكرة قانونية تنتفي عنه الطبيعة الإنسانية اللازمة للتأليف والتي تتمثل فيما يضفيه المؤلف على مصنفه من أحاسيس تعكس رؤاه الشخصية ...، فالابداع الفكري لايتصور صدوره من غير الانسان الكائن الذي يتوافر له العقل والنفس والقدرة على الانتاج والتعبير، ولذلك من الافتراض وقسر الطبيعة تصور الشخص المعنوي مؤلفاً يتمتع بحقوق المؤلف الادبية كالشخص الطبيعي، وإذا كان الشخص المعنوي يمكنه أن يتمتع بحقوق المؤلف المالية التي تقوم على الاستغلال المالي المباشر للمصنف، إلا انه لايستطيع أن يتمتع بالحقوق الأدبية ولايختص بها لأنها حقوق لايستأثر بها إلا الشخص الآدمي ... <br />وبهذا الصدد سخر الاستاذ الفرنسي "Andre Lucas" من محاولة إضفاء وصف الممؤلف على الشخص المعنوي، قائلاً "إذا كان البعض لم يتناول الطعام قط مع شخص معنوي، فاني لم أرَ شخصاً معنوياً ينظم قصيدة او يرسم لوحة، ومن ثم فلا يمكن أن يعبر عن شخصيته بعمل من إبداع الروح، او كيف تتجلى البصمة الشخصية للشركة ؟؟؟ ..."، وأضاف البعض ان في عَــد الشخص المعنوي مؤلفاً ينافي الحكمة من تشريع قانون حق المؤلف الذي يرمي الى تشجيع الابتكار وحركة التأليف وان في جعل الشخص المعنوي مؤلفاً سلبٌ لحقوق المؤلف الحقيقي، فضلاً عن ذلك ذهبوا الى ان حق التألف يعد من الحقوق الشخصية الملازمة للإنسان كحق الترشيح وحق الإنتخاب وغيرها من الحقوق التي لايجوز النزول عنها، ناهيك عن مشكلة كيفية إحتساب مدة الحماية للحق المالي في حال عدم حل الشخص المعنوي. فيما يذهب رأيٌ آخر الى إفرض تمتع الشخص المعنوي بصفة المؤلف يختلف عن الفرض الخاص بامكانية مباشرة الاشخاص المعنوية لحقوق الملكية الأدبية والفنية، إذ ان الفرض الأخير لايثير أدنى مشكلة فيما يخص هذه المباشره لتلك الحقوق، على خلاف فرض إضفاء صفة المؤلف الشخص المعنوي التي تكون غير مقبولة . <br />ووجد بعضهم ان صفة المؤلف لاتخرج عن الانسان"الشخص الطبيعي او مجموعة من الاشخاص الطبيعيين"، فهولاء وحدهم القادرين على ترك بصمتهم الشخصية على المصنف، وعندهم انه كما يتعذر علينا أن نأكل الطعام مع الشخص المعنوي، فمن الطبيعي عندهم ان هذا الأخير لايمكنه أن يمسك الريشة ليرسم لوحة، وان كان يمكن أن يكون صاحب حق في التأليف كما هو الحال في المصنفات الجماعية . وإذا كان عمل الانسان هو الاساس الصحيح لوجود المصنف، فمن المنطقي انه سيتم إستبعاد كل مالم يكن ليد الانسان فيه من دور، ومن ثم فلايعتد بما أنتجته الطبيعة بفعل العوامل الطبيعية كأصوات حفيف الاشجار او زقزقة العصافير او بعض المعالم التاريخية، ويمتد هذا الرفض عندهم الى ماتنتجه الآلة او الكومبيوتر في حال لم يكن هنالك تدخل بشري كما في البرامج التي تعتمد الذكاء الصناعي والتي تمكن من إستخراج المعرفة من كمية كبيرة من البيانات، فهذه نتائح لايمكن وصفها بأنها مصنفات كما ان الآلة لايمكن أن تكتسب صفة المؤلف، وينسحب قولهم هذا –من وجهة نظرهم- على ماتقوم به الحيوانات كالقرود والهررة من رسوم وصور .<br />