الاستاذ الدكتور عمار عباس الحسيني<br /> كليه المستقبل الجامعه/قسم القانون<br /><br />سبق أن بينا في مقالة سابقة تعريف إيداع مصنفات وأهمية هذا الاجراء الهام في حفظ وتوثيق حقوق مؤلفي المصنفات، سواءٌ في صورتها التقليدية او الرقمية، وهنا نقف على تطور هذا الايداع وتحدياته في بيئة الانترنت .<br />والواقع ان الايداع إجراء معروف منذ القدم، فقد ذهبت بعض الأدبيات التاريخية الى ان المسلمين قد عرفوا نظام "التخليد" وهو نظام يشبه "الايداع في المجال القانوني"، فقد أزدهرت مكتبة دار العلم التي بناها الوزير البويهي "سابور بن أردشير" في بغداد سنة "382 هـ "، وذاع صيتها في الآفاق حتى قصدها الادباء والعلماء والشعراء من كل مكان، وضربوا اليها أباط الابل، ويعد أبو العلاء العري من أشهر من قصد بغداد لزيارة دار العلم هذه والتعرف على محتوياتها وعلى العلماء والادباء الذين يرتادونها، وكان من دواعي السرور للمؤلفين آنذاك أن تقبل هذه الدار نسخة من كتابة هديةً .<br /> كما ان اليونانيون القدماء قد عرفوا نظام الايداع وجعلوه شرطاً لازماً لحمايتها، فضلاً عن أنهم قد طبقوا أحكامه المعمول بها الى الآن، وكان الايداع عندهم يكون في مكتبة أثينا، وتدل الشواهد التاريخية على ان حكام اليونان قد منحوا شهادات للمؤلفين تحمي حقوقهم نظير إيداع نسخاً منها في المكتبة الوطنية للدولة، ففي أثينا كانوا يودعون نسخاً من المسرحيات لضمان عدم تسربها الى خـــارج البلاد، وكان يُسمح للجمهور بالاطلاع على هذه النسخ دون ان يتم السماح لهم باخراجها خارج المكتبة الوطنية في أثينا، وهكذا نجد أن أثينا قد عرفت في القرن الرابع قبل الميلاد نظاماً لايداع المصنفات، مما جعل مكتبتهم أقدم مثل لمكتبة عامة تمثل مركز إيداع للمؤلفات بهدف حفظها والاستفادة منها، وكان لمعرفة اليونانيين القدماء بالمكتبات الوطنية، أثره الهام في إنتشار هذا النوع من المكتبات في دول اوربا والبلدان الاخرى، مما جعلها وسيلةً فاعلة لحماية حقوق المؤلفين من جهة، وإنتفاع الجمهور منها من جهة أُخرى .<br /> وفي إنجلترا فقد إشترط قانون الملكة "آن" وجوب توافر بعض الاجراءات الشكلية في مجال حق المؤلف ومنها قيام المؤلفين بـ "تسجيل" مصنفاتهم باسمائهم وإيداع نسخاً منها من أجل إستفادة المكتبات والجامعات . وفي فرنسا فقد أنشأ الملوك هناك مكتبات ملكية في قصورهم على غرار مكتبات الخلفاء في الدول الاسلامية، ولعل أول مكتبة من هذا النوع في فرنسا كانت مكتبة "شارل الخامس 1364 – 1380 م" وقام "Gilles Malet" أل فهرسة مع ان هذه المكتبة قد تبددت فيما بعد خلال حرب المئة عام، مع ان المهم الاشارة هنا الى ان أول مكتبة متخصصة تناولت موضوع الارشفة في العصر الحديث كانت "المكتبة الوطنية" في فرنسا عام 1795 وهو العام الذي صادف أن صادرت فيه الثورة الفرنسية المكتبات الملكية وجعلتها ملكاً للدولة، مما جعل المكتبة الوطنية الفرنية نموذجاً للمكتبات في الدول الاخرى، وبعد ذلك أصبح الايداع مفهوماً مهماً من مفاهيم المكتبات المعاصرة للحفاظ على التراث الفكري الدائم، بل ان قانون الايداع الفرنسي والخاص بالمواد المطبوعة قفط والصادر عام 1537 أقدم قوانين الايداع على مستوى العالم والذي خضع الى العديد من التعديلت لاحقاً، وفي السيد تم إقرار الايداع القانوني ودخوله الى حيز النفاذ عام 1661 لتكون المكتبة الوطنية مع ست مكتبات أُخرى مسؤولية الايداع ليصدر قانون عام 1978 بخصوص ايداع مصنفات الصورة والصوت ليصدر عام 1993 قانون يتناول إيداع بصنفات الرقمية، وفي عام 1996 تم في أسبانيا تعديل قانون الايداع القانوني الاسباني الصادر عام 1971 ليضحى شاملاً لمصنفات الوسائط المتعددة والتي يندرج تحتها بموجب هذا القانون، مصنفات برامج الكومبيوتر وقواعد البيانات .<br />وفي عام 1958 نظمت اليونسكو في فينا مؤتمراً عن المكتبات الوطنية وعملها، وكذا أقامت المنظمة ذاتها مؤتمراً في مانيلا عام 1964 عن تطوير المكتبات في آسيا وبلدان المحيط الهادي من أجل التوصل الى قواعد عامة بهذ الشأن، منها أن تكون هذه المكتبات مستودعات للمطبوعات التي تصدر في تلك البلدان وغير ذلك، وجاء في تقرير الاحصاء الدولي للمكتبات المقدم الى منظمة اليونسكو عام 1970 ان المكتبة الوطنية –أياً كانت تسميتها- هي المسؤولة عن حفظ وإقتناء نسخ من جميع المطبوعات التي تصدر في البلد وهي التي تتولى الوظيفة الايداعية في هذا المجال، وفي عام 1973 قام الاتحاد الدولي لجمعيات المكتبات بعقد مؤتمر تناول فيه وظائف هذه المكتبات الوطنية ومنها "جمع الانتاج الفكري للدولة وحفظه".<br />والواقع ان الايداع يختلف عن إجرء آخر يعرف بـ "التسجيل" إذ تشترط معظم تشريعات حقوق المؤلف وحماية الملكية الفكرية والإتفاقيات الدولية الخاصة بحق المؤلف، إثبات نوع معين من التأشير على جميع نسخ المصنف لإعلام الجمهور بأن الحماية القانونية الخاصة بحقوق المؤلف مكفولةً للمصنف، وهو إجراءٌ تعده بعض التشريعات شرطاً للتمتع بالحماية في حين لاتعده تشريعات أُخرى كذلك، وهو ما يسمى بـ "التأشير بحفظ حقوق المؤلف" . وهذا التأشير يتضمن عناصر ثلاث، اولها الرمز (C) محاطاً بدائرة، وهو الحرف الاول من كلمة (Copyright) أي حق المؤلف، وثانيها إسم المؤلف، وثالثها سنة نشر المصنف . والاجراء الاساس في هذا التأشير يتضمن وضعه في مكان بارز على المصنف كما ينبغي أن يكون مقروءاً وواضحاً، وهو في الكتب عادةً يوضع في الصفحة التي تحمل العنوان او الصفحة التي تيها مباشرةً، وإن كان من المقبول ان يوضع هذا التأشير في أي مكان آخر ظاهر من المصنف .<br />ومن المهم أن نشير هنا الى اننا نرى ان ايداع نسخاً من المصنفات الرقمية قد يبدو من الناحية العملية أقل تعقيداً من إيداع بعض المصنفات التقليدية كالمنحوتات او التماثيل او المنقوشات او بعض الرسوم وتلك المصنفات التي لايوجد لها الا نسخة واحدة ومن ثم يصعب تثبيتها على وسيط معين اوإيداع أصلها، إذ عالجت بعض التشريعات أحكامها من خلال إيداع صوراً منها سواءٌ كانت صوراً فوتوغرافية او غير فوتوغرافية، حتى ان المذكرة الايضاحية لقانون حق المؤلف المصري رقم (354) لسنة 1954 قد ذهبت الى القول "...، ومن ثم فمن غير المعقول تكليف من قام بصنع تمثال بأن يودع نموذجاً منه" . مع الاشارة الى ان هذا الاستثناء يختلف عن الاستثناء الذي سبق أن أشرنا اليه والمتضمن عدم تطلب إيداع بعض المبتكرات ومنها عقود الاعلانات التجارية وقوائم الاسعار وبطاقات البريد، ورسائل وبطاقات الدعوات والزيارات والتهنئة والشهادات والبراءات وأوراق الانتخابات والاسهم والسندات والاوراق المالية والنقدية، والخرائط والمصورات والمطبوعات وسائر المود الاخرى الحكومية إذا كان لها طابع السرية ...، فهذه الاخيرة لم يتطلب القانون إيداعها سواءٌ في صورتها المادية عن طريق إيداع نسخ منها او عن طريق صور عنها . <br />وبالانتقال الى المصنفات الرقمية نجد ان من الممكن إيداع نسخةً او نسخاً من هذه المصنفات المستحدثة المشار اليها بشكل يبدو أكثر يسراً من المصنفات التقليدية الاخرى، سواءٌ تم إيداع تلك المصنفات الرقمية وهي مثبتة على وسيط رقمي مثل قرص "CD" او ما شابهه او من خلال تفريغها على ورق عادي، او من خلال كلا الوسيلتين . وبهذا الصدد ذهبت إحدى توصيات المؤتمر العام لمنظمة اليونسكو في دورته الحادية والعشرين في بلغراد في "27/اكتوبر – تشرين اول/1980" بشأن حماية الصور المتحركة وصونها، الى وجوب أن يشمل الايداع القانوني هذه الصور المتحركة وذلك بايداع نسخة واحدة منها في الأقل على أن تودع في كاملةً وبنسخة عالية الجودة أياً كانت الخواص الفيزيائية لدعامتها المادية او الغرض الذي إبتكرت من أجله، على ان يراعى أن تكون هذه النسخة التي تم إيداعها قابلة للطبع، وان يتم إيداعها في أسرع وقت ممكن . والواقع اننا نجد ان هذه التوصية يمكن الاستفادة منها بشأن المصنفات الرقمية الاخرى التي تقترب طبيعتها الفنية من هذه الصور ... .<br />ومن المهم أن نشير هنا الى ان مسألة إيداع المصنفات في المجال الرقمي قد كانت محلاً لعديد من الدراسات التي بذلت في هذ المجال في محاولة لإستيعاب إيداع هذه المصنفات المستحدثة في مجال الكومبيوتر والانترنت، فضلاً عن دراسة الأحكام الفنية والقانونية الخاصوة بهذا الأمر والمشكلات والتحديات التي تواجهها ومنها ومنها إجتماع مديري المكتبات الوطنية في اوربا عام 1996 الذي تناول مشكلات وتحديات الايداع القانوني للمصنفات الرقمية "الالكترونية" مع عرض للتجارب المماثة في هذا الصدد كتجربة فرنسا وفلندا وبريطانيا والنرويج والدانمارك، مما أسفر عن "مشروع مكتبة الايداع الاوربية NEDLIB" والذي تلاه عدد من الدراسات ذات الصلة بالموضوع نفسه ومنها دراسة عم 1998 وأُخرى عام 1999 تناولت البنية التركيبية لهذا المشروع ولا سيما من حيث "الأرشفة" الذي سمي بـ "نظام الايداع للمنشورات الالكترونية DSEB" ثم دراسة أُخرى عام 2000 تناولت تناولت تفصيلا هذه الأرشفة والايداع، وفي عام 2003 أُجريت دراسة في هذا المجال تناولت دول بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وبموجب هذه الدراسة إنقسمت قسمت الدراسة هذه الدول الى قسمين، الاول تقد في مجال الشق التقني والثاني في مجال الشق القانوني، مع عرض عدد لابأس به من الاستراتيجيات الناجحة في تطبيق هذا النظام الجديد للإيداع، وفي عام 2004 أُجريت أيضاً دراسة تناولت تجربة جامعة "Hilsinki" في فلنداتركزت حول التعاون من أجل جمع منشورات الانترنت في مشروع "NEDLIB"، ثم دراسة أُخرى عام 2004 أيضاً والتي إختصت برصد المرحلة التحضيرية لمشروع المكتبة الاوربية "TEL" والذي يهدف الى إتاحة رقمية للمراجع التي تم جمعها في المكتبات الوطنية الاوربية من خلال العمل في ضوء توصيات مؤتمر المكتبات الاوربية "CENL" والذي تم تمويله من قبل الاتحاد الاوربي والذي بدأ العمل فيه من يناير 2001 الى يناير 2004 مع ما واجهه من تحديت كبيرة، ثم جائت تجربة اُرى عام 2005تناولت تصميم منهجية موحدة من قبل عدد من المكتبات الوطنية الاوربية في هذا الشأن ... . <br />اما على المستوى الوطني، فقد وجدنا عدد من الدراسات التي تقدمت بها العديد مند الدول الاوربية في مجال ظغيداع لمصنفات الرقمية، في بريطنيا مثلت تم تقديم دراسة عام 1998 تناولت تحديات الارشفة الرقمية في المكتبات الوطنية البريطانية وفي عام 2004 أيضاً تم تقديم دراسة في بريطانيا تناولت الموضوع نفسه، وفي المانيا تقدمت دراسة عام 2006 تناولت إشكاليات الاتاحر الطويلة الأمد للمنشورات الرقمية وإستراتيجياته، وفي هولندا في عام 2000 تم إعداد تقرير يهدف الى تقييم جهود المكتبة الوطنية الهولندية في مجال حفظ المصنفات الرقمية وتحدياته، وكذا دراسة أُخرى عام 2001 تناولت الخلفية التاريخية للمكتبة الوطنية الهولندية وربط ذلك بالارشفة الرقمية في هذا المجال، ولحقت ذلك في عام 2004 و 2006 دراسات تناولت الايداع في مجال البيئة الرقمية وتحدياته، وفي النرويج صدرت عام 2002 دراسة تناولت الارشفة الرقمية في اوربا مع عرض للايداع القانوني في النرويج وخلفياته التاريخية مع عرض لنظم الايداع المختلفة والتجارب المماثلة التي أقامتها المكتبات الوطنية النرويجية في هذا الصدد وفي عام 2006 تقدمت دراسة في النرويج تناولت الكيفية التي يتم بها جمع المصنفات لتكون متاحة للمستفيدين على سبكة الانترنت، وفي عام 2006 أيضاً ذهبت دراسة الى إستعراض تحديات الارشفة في هذا المجال مع وجوب متابعة وتفعيل الدور الحكومي في هذا المجال .