المسؤولية الوزارية في ظل دستور العراق لعام ٢٠٠٥<br />تعد المسؤولية الوزارية واحدة من المواضيع الدستورية البالغة الأهمية والتي ترددت بين النص عليها وعدم الاشارة إليها في الأنظمة الدستورية ، ففي ظل <br /> النظام البرلماني يأتي النص واضحاً وصريحاً على مسؤولية رئيس وأعضاء مجلس الوزراء عن أعمالهم السياسية أمام البرلمان ،<br />أما في النظام الرئاسي حيث ينفرد رئيس الدولة بتعيين الوزراء، حيث لا تنص الدساتير في ظل هذا النظام على المسؤولية الوزارية ولكن هذا لا يعني عدم مسؤولية الوزير عن أعماله الخاطئة بل يفهم ضمناً أن الوزير مسؤول عن أعماله امام من استقل بتعيينه ويفهم ضمناً أيضاً أن من له صلاحية التعيين له صحية الإقالة .<br /> ومن يمارس مهام الوزير مجرد سكرتير أو معاون لرئيس الدولة كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية في ظل دستور عام 1787م ،ولكن هذا لا يعني أن المعاون أو السكرتير غير مسؤول عن أعماله بل هو محاسب عنها أمام رئيسه الأعلى (رئيس الدولة).<br /><br />اما العراق فقد اخذ الدستور العراقي لعام 2005 بالنظام البرلماني حيث جاء في المادة الأولى منه جمهورية العراق دولة مستقلة ذات سيادة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) وفي هذا النظام الوزراء مسؤولين أمام مجلس النواب.<br /><br />اما وسائل تحريك المسؤولية الوزارية في دستور العراق لعام 2005 <br />أشار الدستور العراقي النافذ إلى ثلاث وسائل من وسائل تحريك المسؤولية الوزارية وهما السؤال والاستيضاح والاستجواب ولم يتناول بالتنظيم موضوع التحقيق وهذا مأخذ عليه لكن النظام الداخلي لمجلس النواب أشار اليه في المادة 32.<br /><br />حق السؤال:- يقصد بهذا الحق أن يكون لأي من أعضاء مجلس النواب سؤال رئيس مجلس الوزراء أو الوزير عن مسألة معينة يجهلها أو يرغب في لفت النظر اليها، وغالباً ما يكون السؤال موجزاً منصباً على المسألة المطلوب الاستفسار عنها، ويكون خالياً من التعليقات التي تثير الجدل أو تنطوي على الآراء الخاصة بعيداً عن الإضرار بالمصلحة العامة أو مخالفة الدستور والتشريعات النافذة.وبموجب المادة (61/سابعاً/أ) من الدستور العراقي يتحدد حق السؤال بين النائب السائل والوزير المسؤول، ما يعني أن ليس للغير الاشتراك في مناقشة السؤال وهو ما يسمح بتوضيح الكثير من المسائل الغامضة ويوجه نظر الحكومة إلى بعض المخالفات لتداركها او تدارك آثارها قبل تفاقمها.<br /><br />الاستيضاح:- وهو حق تالي في المرتبة لحق السؤال، وعلى حد سواء مع حق السؤال لا يحمل هذا الحق في طياته الاتهام لرئيس مجلس الوزراء أو الوزراء، لكنه يسعى لمزيد من الاستيضاح بشأن السياسة العامة للوزارة أو إحدى فروعها ومستوى أدائها.<br /><br />ومن المؤكد أن حق الاستيضاح أكثر أهمية وخطورة من حق السؤال كونه يأتي في مرحلة لاحقة لحق السؤال إذ لا يتم اللجوء لهذا الحق إلا إذا لم يكتف النائب بسؤاله أو إذا أراد المزيد من الاستيضاحات بشأن المسألة التي طرح السؤال عنها أو إذا راود المجلس أو بعض أعضائه الشك بإجابة الوزير.<br /><br />من هنا اشترطت المادة (61/سابعا/ب) من الدستور تقديم الاستيضاح من قبل ما لا يقل عن خمسة وعشرين عضواً، وإذا كان السؤال يوجه مباشرة لرئيس مجلس الوزراء أو الوزير المسؤول، فإن الاستيضاح يقدم لرئيس مجلس النواب اولا الذي يحيله بدوره لرئيس مجلس الوزراء أو الوزير المعني حيث يتولى أي منهما بدوره تحديد موعد الحضور أمام مجلس النواب لطرح اجابته والمناقشة ما يعني أن الأمر الذي يجري الاستيضاح عنه غالباً ما يستلزم إعداد الاجابة من خلال الرجوع لبعض الوثائق والاوليات.<br /><br />و الملاحظ أن الدستور العراقي النافذ وحّد في اجراءات الاستيضاح الموجهة لرئيس مجلس الوزراء والوزير وفي رأينا كان الأولى به التمييز في هذه الاجراءات وحسب أهمية وخطورة المنصب الذي يتولاه المعني، كأن يشترط تقديم الاستيضاح لرئيس مجلس الوزراء من قبل عدد من الأعضاء يزيد على ذلك العدد الواجب توافره لتقديم الاستيضاح للوزير. ويشترط أيضاً لتقديم الاستيضاح للأول موافقة هيئة الرئاسة في المجلس إضافة للعدد المطلوب من النواب مراعاة للمركز الخاص لرئيس مجلس الوزراء وثقل المهام الملقاة على عاتقه. فقد لا تجد هيئة رئاسة المجلس أن الأمر يستوجب الاستيضاح فتوئده قبل عرضه على رئيس مجلس الوزراء.<br /><br />الاستجواب:- يقصد بحق الاستجواب مساءلة الحكومة أو أحد فروعها في بعض تصرفاتها أو قراراتها، ويحمل الاستجواب في ثناياه الاتهام للوزارة، من هنا يعد هذا الحق الوسيلة الأكثر فاعلية وخطورة في مواجهة رئيس مجلس الوزراء والوزراء، كونه قد ينتهي إلى إقالة الحكومة بأسرها أو أحد فروعها.<br /><br />ونظراً لخطورة هذا الحق فقد احاطته الدساتير المقارنة بالعديد من الضمانات، وبذات الاتجاه سار الدستور العراقي النافذ ، لكن الملفت للنظر أن الدستور العراقي لم يتشدد في إجراءات طلب الاستجواب، بل أنه رسم طريق أيسر من ذلك الذي اتبعه في الاستييضاح، فقد أوجب تقديمه من قبل ما لا يقل عن خمسة وعشرين عضواً مباشرة للمعني دون المرور برئيس المجلس<br />(لعضو مجلس النواب وبموافقة خمسة وعشرين عضواً توجيه استجواب إلى رئيس مجلس الوزراء أو الوزراء لمحاسبتهم......). على أن تجري المناقشة بعد سبعة أيام في الأقل من تاريخ تقديمه، وفي رأينا أن ما ذهب إليه الدستور العراقي في هذا الموضع أمر محل نظر، إذ كان عليه النص على إجراءات أكثر تعقيداً من تلك التي استوجبها لتقديم الاستيضاح، والتمييز في الاجراءات الواجب إتباعها في مساءلة رئيس مجلس الوزراء وتلك الواجب إتباعها في استجواب الوزير، إذ قد ينتهي الامر في الحالة الأولى إلى إقالة الوزارة بأسرها في حين تقتصر الآثار في الحالة الثانية على إقالة الوزير المستجوب إلا إذا قررت الوزارة الاستقالة بأسرها تضامناً مع الوزير المقال.<br /><br />ومن المؤكد أن المشرع الدستوري العراقي أدرك خطورة الآثار المترتبة على الاستجواب، لكنه قصر الضمانات التي تتلائم وخطورة هذا الحق في المرحلة لاحقة للأستجواب فقط، حينما ينتهي الاستجواب في نتائجه إلى إدانة رئيس مجلس الوزراء أو الوزير، حيث أوجب في هذه المرحلة طرح موضوع الثقة برئيس مجلس الوزراء أو الوزير بناءً على رغبته أو بناء على طلب خمسين عضواً في الأقل على أن يصدر المجلس قراره بعد سبعة أيام في الأقل من تاريخ تقديم الطلب. وبالمقارنة بين وسائل الرقابة التي أمتلكها رئيس مجلس الوزراء في مواجهة مجلس النواب، وتلك التي امتلكها الثاني في مواجهة الأول، يبدوا جلياً رجحان كفة المجلس في هذا الجانب. من هنا نرى ضرورة إعادة التوازن بين السلطتين في هذا الاختصاص للاقتراب من النظام البرلماني بشكله التقليدي<br /><br />التحقيق:- لم يتناول بالتنظيم دستور العراق لعام 2005 موضوع التحقيق ولكن النظام الداخلي لمجلس النواب تلافى هذا النقص حيث نص في المادة (32 – ثانياً) التي نصت (على إجراء التحقيق مع أي من أي المسؤولين بشأن أي واقعة يرى المجلس أن لها علاقة بالمصلحة العامة أو حق المواطنين وعليه ندعو المشرع العراقي<br /> إلى إضافة وسيلة التحقيق البرلماني التي لم يتناولها بالتنظيم إلى الوسائل الأخرى التي نص عليها دستور العراق لعام 2005، <br /><br />كذلك ضرورة الموازنة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في دستور العراق لعام 2005. حيث نصت المادة (83) من الدستور على مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء أمام مجلس النواب مسؤولية تضامنية أو شخصية. كما أن المادة (76- رابعاً) اشترطت عرض رئيس مجلس الوزراء المكلف، أسماء أعضاء وزارته والمنهاج الوزاري على مجلس النواب للحصول على ثقته بالأغلبية المطلقة.كما إن المادة (80- خامساً) إضافة إلى تعيين مجلس النواب لوكلاء الوزارات والسفراء وأصحاب الدرجات الخاصة ورئيس أركان الجيش ومعاونيه ومن هو بمنصب قائد فرقة فما فوق ورئيس جهاز المخابرات الوطني ورؤساء الأجهزة الأمنية بناءً على توصية من مجلس الوزراء. و واضح من هذه الأمثلة مدى تعاظم سلطة مجلس النواب اتجاه الحكومة رغم إعلان الدستور في المادة (1) بأن نظام الحكم نيابي برلماني، والأنظمة البرلمانية توازن سلطة البرلمان بتقرير حق رئيس الحكومة في حل مجلس النواب ، ونرى أن اقتراح حق رئيس الوزراء في حل البرلمان (أو طلب ذلك من رئيس الجمهورية في حالة فشل البرلمان انتخاب رئيس وزراء جديد خلال مدة معينة من سحب الثقة من مجلس الوزراء)، من شأنه إيجاد موازنة بين السلطتين ويؤدي إلى مزيد من الاستقرار وحتى لا تترك السلطة التنفيذية بدون ممارسة مدة طويلة في هذه الحالة.