<br />م.د عبدالرحمن عباس ادعين<br />كلية المستقبل الجامعة /قسم القانون<br /><br />الدور التشريعي للسلطة التنفيذية في ظل الظروف الطارئة<br /><br />ان هذه الورقة النقاشية ملخصها يتضمن مناقشة وحوار بخصوص اختصاص السلطة التنفيذية ممثلة بمجلس الوزراء والسادة الوزراء بالتشريع واقصد به التشريع الفرعي الذي خولهم به الدستور في المادة (80/3) باصدار الانظمة والتعليمات والقرارات بهدف تنفيذ القوانين, اذا ما علمنا ان هناك قوانين مشرعة من السلطة التشريعية في وقت سابق تخص وتنظم الجانب الصحي في الظروف الاعتيادية والاستثنائية. فبامكان السلطة التنفيذية وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية ان تتخذ وعلى وجه السرعة ما تراه مناسبا وضروريا لمعالجة الازمة من القرارات التي لها قوة القانون مستفيدة من القوانين والتعليمات والقرارات ذات الصلة بهدف توظيفها في الوقت الحاضر لتدارك هذه الكارثة الوبائية في الجوانب الصحية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية وامكانية السلطة التنفيذية باصدار جملة من القرارات التي تمس مختلف الجوانب في حياة المجتمع العراقي وعلى وجه السرعة.<br /><br />لا شك ان وباء كورونا يعد حالة من حالات الطوارئ واسعة النطاق ويشكل تهديدا وشيكا وكبيرا للصحة العامة وهو يتمدد جغرافيا ليشمل كل دول المعمورة دون استثناء تقريبا ومع تقدم الوقت تشير بعض الدراسات الى ارقام مفزعة في حالات الوفيات عالميا وبلوغ اعداد المصابين بالفايروس الى ملايين الاشخاص في العالم مما ينذر بازمة صحية غير معروفة المالات وما يزال العالم يتذكر اوبئة مماثلة في العقود السابقة اودت بحياة الكثيرين حول العالم.<br />فقد شهد القرن الحالي تفشي فايروس (ايبولا) الذي نشأ في بعض دول غرب افريقيا عام 2013 وسبقه وباء الكوليرا وفي نهاية العقد الاول من القرن الواحد والعشرين ظهر فايروس كورونا في مدينة ووهان الصينية لينتشر منها الى باقي دول العالم لذلك اعلنت منظمة الصحة العالمية ان تفشي هذا الفايروس يصنف كحالة طوارئ صحية عامة تثير قلقا دوليا داعية دول العالم الى ضرورة مواجهة ومحاصرة انتشاره مباشرا ويعد هذا الاعلان وتصنيف الفايروس جائحة عالميا لذلك سارعت حكومات الدول عبر العالم الى اتخاذ اجراءات وتدابير مشددة بحجة منع انتشار الوباء. ان منظمة الصحة العالمية عندما عدت فايروس كورونا وباء عالمي (جائحة) لسرعة انتشاره واتساع نطاقه والقلق الشديد ازاء هذا الوباء وان الاجراءات الحكومية في العراق لم تكن في المستوى المطلوب مؤكدين على اهمية تعاون الجهات الحكومية وغير الحكومية لمواجهة هذا الوباء في ظل هشاشة النظام الصحي في العراق, ويستدعي هذا الموقف استجابة تعاونية تعتمد على قدرات وموارد الجهات الفاعلة والمتعددة والقطاعات والجهات الحكومية وغير الحكومية التي تنظم مؤسسات خاصة ربحية وغير ربحية بما في ذلك منظمات المجتمع المدني, وقد ساعدت التطورات الاخير في جميع انحاء العالم في اظهار طبيعة تفاعل الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية في مواجهة هذا الوباء مثال على ذلك.<br />في انكلترا دخلت هيئة الخدمات الصحية الوطنية في اتفاقية مع القطاع الخاص لاعادة تخصيص قدرات المستشفيات الخاصة لصالح هيئة الخدمات الصحية الوطنية, وفي ايرلندا واسبانيا جعلت الدولة جميع المستشفيات الخاصة عامة طوال فترة ازمة كورونا, اما في العراق فالامر مختلف فقد اعربت المنظمات غير الحكومية عن استعدادها لدعم الحكومة من خلال توزيع مستلزمات النظافة وتدريب العاملين الصحيين ومراقبة الحماية وتوفير الاموال للاسر المتضررة. ان المشاركة المنتظمة والشاملة مع الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية تؤدي الى توفير نطاق واسع من الخدمات بما في ذلك الوقاية من الوباء ومكافحته والحفاظ على الخدمات الاساسية <br />فعلى الرغم من اهمية القطاع الخاص في تقديم الخدمات الا انه لا توجد خطة واضحة للتنسيق بين الحكومة والقطاع الخاص وربما يعزى ضعف مشاركة المستشفيات والمختبرات الاهلية الى ارتفاع تكاليف العلاج يجب على الحكومة العراقية وبالاخص السلطة التنفيذية ممثلة بمجلس الوزراء ان تتولى القيادة في تنسيق الادوار والمسؤوليات في تقديم خدمات الرعاية الصحية عبر الجهات الحكومية وغير الحكومية<br />وقد جاء في بيانات لجنة الامم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي ترصد امتثال الدول للعهد الدولي الخاص بهذه الحقوق على ما يلي ( يرتبط الحق في الصحة ارتباطا وثيقا باعمال حقوق الانسان الاخرى ويتوقف عليها على النحو الوارد في الشرعة الدولية للحقوق بما في ذلك الحق في الغذاء والسكن والعمل والتعليم والكرامة الانسانية والحياة وعدم التمييز).<br />وبما هو معلوم ان القانون يؤدي عدة ادوار في المجتمع ومن اهمها ان يدور اينما دارت مصلحة المجتمع, والدول عندما تسن قوانينها فانها تسنها للمصلحة العامة حتى لو جاءت على الحسابات الخاصة والضيقة لبعض الافراد. وبما ان مجلس النواب العراقي لا يستطيع في الوقت الحاضر من الانتظام في جلسات مستمرة ومتواصلة لمجابهة هذه الازمة من خلال التشريعات التي يصدرها لمعالجة الواقع الحالي والمستجدات المستقبلية لهذا الوباء فبالامكان تخويل مجلس الوزراء باعتباره السلطة التنفيذية العليا في البلد من ممارسة دوره من خلال التشريع الفرعي والذي هو عبارة عن مجموعة من القواعد القانونية التي تصدر في شكل قرارات لها قوة القانون من قبل السلطة التنفيذية وذلك بمقتضى الاختصاص الممنوح للسلطة التنفيذية ممثلة بمجلس الوزراء والوزراء لها بموجب المادة (80/3) من الدستور العراقي النافذ اصدار الانظمة والتعليمات والقرارات وتأتي هذه القرارات للمعالجة الفورية التي تتطلبها المرحلة الراهنة لمجابهة هذا الوباء اذا ما علمنا ان مجلس الوزراء اصدر قبل فترة من حلول الازمة الامر الديواني رقم 55 للتعاطي مع وباء كورونا حيث استند ذلك الى ما يملكه من ولاية عامة في ادارة شؤون الدولة الداخلية والخارجية استنادا للمادة (80/3) من الدستور ومن القوانين التي من الممكن الاستفادة منها في ظل هذا الوضع وتوظيفها لمعالجة هذه الازمة عن طريق الانظمة والتعليمات والقرارات التي يصدرها مجلس الوزراء والوزراء المختصون والجهات التنفيذية الاخرى بما لهم من صلاحية دستورية في اصدار التشريع الفرعي مثل.<br />1-قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل في المواد (469 – 499) بعنوان المخالفات المتعلقة بالصحة العامة <br />2-قانون الصحة العامة رقم 89 لسنة 1981 والذي اشار في المادة (3) منه الى مكافحة الامراض الانتقالية ومنع تسربها من خارج القطر الى داخله وبالعكس.<br />3-قانون وزارة الصحة رقم 10 لسنة 1983 والذي اشار في المادة (2) الى مكافحة الامراض الانتقالية والسيطرة عليها.<br />4-قانون السلامة الوطنية رقم 1 لسنة 2004 الذي منح رئيس الوزراء السلطات الاستثنائية في حالة الظروف الاستثنائية<br />اذا ما علما ان الدستور العراقي خول السلطة التنفيذية الحق في التشريع الفرعي بصفة استثنائية في الحالات الطارئة واصدار هذه القواعد القانونية على شكل انظمة وتعليمات وقرارات تباشره السلطة التنفيذية تحت رقابة البرلمان وهذه التشريعات لا تصدر الا اذا كانت هناك ضرورة ملحة تدعو الى ذلك ولا يمكن تأخيرها في مثل هذا الظرف الحالي الذي نمر به ان هذه القرارات التي تصدر عن السلطة التنفيذية بصيغة تشريع فرعي لها قوة القانون يعني ان الحكومة تستطيع ان تنظم بهذه القرارات ما يمكن ان ينظمه القانون<br />يترتب على نفوذ هذه التشريعات مجموعة من النتائج التشريعية غير العادية اهمها وقف العمل بالقوانين العادية الى المدى الذي يتعارض مع حالة الطوارئ الى جانب اعطاء رئيس الوزراء صلاحيات استثنائية بان يتخذ مجموعة من القرارات التي تعتبر في الظروف العادية مقيدة للحريات وقد اعتبر الامر الديواني 55 لسنة 2020 هذا الوباء قوة قاهرة لجميع المشاريع والعقود ابتداءا من 20/2/2020 ولغاية اعلان وزارة الصحة انتهاء هذا الوباء الا ان هذا الوباء وقرار حضر تجوال الناجم عنه سيؤثر على سير الحياة العامة في كافة انحاء الجمهورية العراقية وكل هذه الاجراءات تدخل ضمن الصلاحيات التقديرية لمجلس الوزراء حيث له مطلق الحرية في تقدير كفاية التدابير الحالية في التعاطي مع هذا الوضع الاستثنائي من حيث نطاق انتشار الوباء ابتداءا ومدى تعاون الافراد في تطبيق القرارات الحكومية الخاصة بمواجهة هذا الوباء. فعلى مجلس الوزراء وعلى ضوء صلاحياته الدستورية اتخاذ ما يلزم وباسرع وقت ممكن حزمة من القرارات التي تعالج الجوانب الصحية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية.<br />واهم القرارات والتي من المؤمل ان يتخذها مجلس الوزراء في الوقت الحاضر مستفيدا من القوانين التي تمت الاشارة اليها اعلاه وتوظيفها بشكل كامل من خلال التشريع الفرعي لمعالجة وباء كورونا اذا ما علمنا ان الوباء اخذ في الانتشار السريع في الايام الاخيرة اثناء فترة العيد وما بعدها هي:-<br /><br />1-تكييف الطبيعة القانونية لجائحة كورونا وما اذا كانت من ضمن الكوارث او الاوبئة او الازمات لما لذلك من اهمية في بيان طبيعة الاجراءات القانونية المتخذة بشأنها وسلامتها سواءا ما يتعلق منها بالسياسة الجنائية في جانبها الموضوعي والاجرائي, او القانون الخاص في الجوانب المدنية والتجارية بشقيها الموضوعي والاجرائي, وطبيعة الاسس الدستورية والقانونية للاجراءات والقرارات الحكومية والادارية في مواجهة هذا الوباء سواءا على المستوى الداخلي او الخارجي التي تضمنت تنظيما و تقييدا للحريات الفردية والانشطة الاقتصادية الذي اقتضته الطبيعة المعقدة لهذا الوباء<br />2-اصدار التشريعات بشأن بعض الاجراءات المالية التي يتطلبها التعامل مع التداعيات التي يخلفها هذا الوباء, وهذا التشريع ياتي في اطار مواجهة الدولة للاثار المالية على القطاعات الاقتصادية او الانتاجية او الخدمية المتضررة من تداعيات هذا الوباء – ومنح مجلس الوزراء سلطة التدخل لتأجيل القروض والسلف او تقسيط او مد أجال تقسيطها بدون عناء.<br />3-اتخاذ القرارات الخاصة بمشاريع الدولة وحماية المتعاقد مع الدولة من الضرر الذي يصيبه بسبب الحضر وتوقف الحياة العامة.<br />4-تأجيل المواعيد المقررة الى الضريبة لمدة انتهاء هذا الوباء.<br />5-الاعفاء من الرسوم مقابل الخدمات الادارية لذات المدة.<br />6-عدم تحميل الديون الحكومية بفوائد نتيجة هذا التأجيل.<br />7-اعفاء او تأجيل او تقسيط كل او بعض مستحقات استهلاك الماء والكهرباء والخدمات البلدية.<br />8-تخفيف العبء الضريبي عن كاهل اصحاب المصانع خلال هذه الفترة بهدف تشجيع بعض الانشطة الانتاجية والخدمية.<br />9-معالجة تسريح العمال من القطاع الخاص والحكومة مطالبة باتخاذ جميع الاجراءات اللازمة لاعادة العمال عند انتهاء الازمة وتامين مبالغ اعاشة لهم.<br />10-على وزارة العمل والشؤون الاجتماعية تامين مبالغ الاعانة الاجتماعية للمشمولين بها واعطائها بالمواعيد المحددة.<br />11-تعويض المتضررين عن مزاولة نشاطاتهم اليومية وتامين ارزاقهم.<br />12-تفعيل الدور الرقابي على الاسواق والبضائع والحد من التلاعب باسعار المواد الغذائية الاساسية, والاسراع بضخ مفردات البطاقة التموينية بهدف معالجة الوضع المعاشي للاسرة العراقية في ظل هذا الظرف الطارئ.<br />13-اطلاق صراح الموجودين في اماكن الاحتجاز مثل مراكز التوقيف والسجون والمعتقلات وبالاخص في الجرائم البسيطة التي لا تشكل خطر على الامن المجتمعي, مستثنين بذلك اصحاب الجرائم الارهابية.<br />14-ارسال الفرق الطبية والصحية الى مخيمات النازحين وتوفير المستلزمات الضرورية لمجابهة الوباء, اذا ما علمنا ان المخيمات تضم اعداد كبيرة من المواطنين.<br />15-الحد من الفعاليات الاجتماعية كالفواتح والاعراس والشعائر الدينية والمناسبات الاخرى في الوقت الحاضر.<br />16-اعادة المتقاعدين من الاطباء والكوادر الصحية والممرضين العاملين في المؤسسات الصحية لسد النقص الحاصل في قطاع الصحة عن طريق ابرام العقود معهم.<br />17-اتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة بصدد مطلقي الشائعات التي تشكك بوجود المرض, وتشيع بانه لعبة سياسية وهذا امر خطير له مردوداته السلبية على الوضع العام.<br />18-اعادة النظر في التشريعات المتعلقة بالصحة العامة واعادة صياغتها على ضوء المستجدات الحالية, مستفيدين من الانعكاسات السلبية لوباء كورونا في الجوانب الصحية والاجتماعية والاقتصادية على المستويين الداخلي والخارجي, ووضع قواعد قانونية في هذا المجال تستجيب وتعالج التداعيات التي حصلت لنا في ظل هذه الازمة اذا ما علمنا ان القوانين والتشريعات بصورة عامة هي انعكاس لحاجة المجتمع وبالاخص في الظروف الطارئة والاستثنائية.<br />وكل هذه القرارات وغيرها يستطيع مجلس الوزراء اتخاذها على وجه السرعة بما له من صلاحيات واسعة بموجب الدستور عن طريق اصدار التشريع الفرعي الذي يستند على القوانين التي اشرنا اليها والتي تنظم الجانب الصحي في الظروف الطارئة التي تمكنه من ادارة هذه الازمة وتداركها باقل الخسائر.<br /><br />متمنين للجميع الصحة والسلامة والعودة للحياة الطبيعية باقرب وقت باذن الله. والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته<br />