م.د نورس أحمد الموسوي<br />كلية المستقبل الجامعة / قسم القانون<br /><br />دور المؤسسات التعليمية في حماية الأمن الفكري<br /><br />إنّ المؤسسة التعليمية هي مؤسسة إجتماعية، وظيفتها الأساسية القيام بعملية التعليم إلى جانب ذلك، فإنها تقوم بتهذيب السلوك وجعله مقبولاً إجتماعيًا، نظرًا لما يتعلمه الفرد من علوم ومعارف ضرورية لعملية التوافق والتطبيع الإجتماعي، والوقاية من الإنحراف بشتى مظاهره. ولا شكّ أنّ مؤسسات التعليم هي بمثابة همزة الوصل بين الأسرة والمجتمع ككل، الإّ أنّ العلاقة الأسرية تتميز بالعمق والإستمرارية في التأثير على أفرادها، وبهذا تختلف عن المؤسسات التعليمية والتي هي جماعة ثانوية، غير أنّ لها أثرًا كبيرًا في سلوك الفرد، إذ تُعدُّ من أخطر الأجهزة المجتمعية؛ كونها تُغذّي العقل بأفكار وقناعات تُؤثر على الأمن الفكري سلبًا وايجابًا بحسب ما تقوم به من دور.<br />السؤال الذي يُطرح هنا قبل الخوض في أثر هذا النوع من المؤسسات في حماية الأمن الفكري، هل أنّ المؤسسة التعليمية مُعّدة فعلاً لأداء مثل هذا الأثر؟ بمعنى آخر هل أنها حاليًا في وضع يُمكنها من أن تُؤدي أثرها الفعّال في تنفيذ إستراتيجية الوقاية من الإنحراف الفكري، وتقويم الإرادة الإجرامية لدى الأجيال؟. وقبل الخوض في غمار الإجابة عن ذلك ينبغي التنبيه إلى أنّ إنعدام الأمن الفكري في المؤسسات التعليمية يُتيح فرصة العبث بالعقول، وتوجيهها في مسار معين؛ بغرض التأثير السلبي على الأجيال بالأفكار المنحرفة والمتطرفة، والنظريات الإجتماعية النفسية والفلسفية والسياسة الكفيلة بتقويض الفكر والقيم السائدة، ومن ثم يُؤدي إلى نشوء العديد من الإنحرافات السلوكية، وإتصالهم بجماعات مشبوهة خارج تلك المؤسسات تدعو إلى التمييز، وإثارة شعور الكراهية، وتدني المستوى العلمي والفكري، وما يتبع ذلك من خطر التفكك والإنحراف بشتى صوره. <br />لذلك ينبغي أن تقوم المؤسسات التعليمية بتضمين برامجها فصولاً خاصة بالأمن الفكري لغرض تحقيق الوقاية من الإنحراف، من خلال نشر القيم والمبادئ الفكرية والأخلاقية القويمة، وكل ذلك يُوّفر للطالب تهيئة نفسية، وإجتماعية للتّكيف مع تطّلعات المجتمع الذي ينشد السلوك الجماعي الصحيح، والذي يُحقق الأمن والإستقرار الإجتماعي. وبذلك يتحمل جزءً ليس بالهين من المسؤولية، إذ بتعليمهِ يُعّزز أمنه الفكري بصفة خاصة، وأمن المجتمع بصورة عامة. وبقدر ما تغرسه من قيم أخلاقية في النفوس بقدر ما يسود الأمان والطمأنينة.<br />ولهذه المؤسسات أثرًا بالغ الأهمية في تكوين شخصية الطالب، إستكمالاً لدور الأُسرة والمؤسسات الإجتماعية الأخرى، من خلال قيامها بتطويع سلوكه وتوجيهه بما يُحصّنه ضد المؤثرات الفكرية السلبية أيً كان مصدرها، ومراعاتها لمبدأ الحوار والذي يُؤدي إلى تنمية العقل، وتوسيع إدراكه للكشف عن الحقائق، وإحترام الرأي والرأي الآخر، إذ لا تقتصر وظيفة المؤسسة التعليمية على تعليم القراءة، والكتابة وإعطاء العلوم، بل لا بدّ من ترجمة ذلك إلى سلوك وواقع ملموس؛ حتى يساعد على إستيعاب الأفكار والمفاهيم التي تتعلق بالحياة، والوقاية من خطر الفكر المنحرف. ولا يمكن للدول أن تنهض فكريًا وحضاريًا إن لم يكن لها سياسة تعليمية واضحة، قائمة على أُسس ثقافية وعلمية تكفل بناء الشخصية الإنسانية وفق قيم ومبادئ المجتمع. وإتباع أسلوب التربية بالملاحظة والوعظ، والذي يتمثل بمراقبة التكوين الأخلاقي والفكري في ضوء الإعداد النفسي والإجتماعي لهم.<br />لا شك أنّ الأثر الإيجابي للمؤسسات التعليمية في حماية الأمن الفكري لا يمكن أن يظهر، إلاّ إذا تكاتفت عناصرها، والتي من أهمها: الإدارة الناجحة، والمعلم أو الأستاذ المتميز، والمرشد الفعّال، فضلاً عن ذلك المناهج التعليمية الرصينة والمتجددة، فقد يكون للمعلم قبل غيره ملاحظة بوادر الإنحراف لدى الطالب؛ لذلك يجب توثيق صلة المعلم بطلابه من جهة، وبين المدرسة والأسرة من جهة أخرى، من أجل معالجة تلك البوادر والوقاية من مخاطرها مبكرًا. وفي ضوء ذلك يجب أن تُولي المؤسسة التعليمية إهتمامًا بالطالب؛ كونه محور العملية التعليمية، والهدف منها، ووجوب أن يراعى في تعليمه القيم والمبادئ التي تبني الروح الإنسانية بناءً قويًا. كما أنّ لإدارة المؤسسة التعليمية أثرًا في مواجهة ظاهرة التطرف وحماية الأمن الفكري.<br /><br /><br />