مقالة علمية بعنوان: دور الذكاء الاصطناعي في التخفيف من ظاهرة الفقر:<br />بقلم: أ.د حيدر علي الدليمي <br />عميد كلية العلوم الإدارية- جامعة المستقبل<br /> <br />أصبح الذكاء الاصطناعي (AI) في السنوات الأخيرة واحداً من أبرز الأدوات التقنية التي تؤثر على العديد من جوانب الحياة، وتُظهر إمكانات هائلة في التصدي لمشكلات عالمية معقدة مثل الفقر. وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، يعيش ملايين الأشخاص تحت خط الفقر، ويعانون من عدم توفر الخدمات الأساسية مثل التعليم، الصحة، والمياه النظيفة. من هذا المنطلق، يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة فعالة يمكن استخدامها لمكافحة الفقر وتحسين الظروف المعيشية، من خلال تعزيز الابتكار، وتحسين الخدمات الاجتماعية، وتقديم فرص اقتصادية للمجتمعات الفقيرة.<br />أولاً: الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لمكافحة الفقر:<br />تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي إمكانية تحليل كميات ضخمة من البيانات بشكل فعّال لتحديد مناطق الفقر ومسبباته. باستخدام تقنيات تعلم الآلة وتحليل البيانات الضخمة، يمكن تحديد الفئات الأكثر احتياجًا في المجتمعات، وتحديد التحديات التي تواجهها هذه الفئات بدقة. على سبيل المثال، يمكن تحليل صور الأقمار الصناعية لتحديد المناطق الريفية أو الحضرية التي تعاني من تدهور البنية التحتية أو ندرة الموارد، مما يمكّن الجهات المعنية من توجيه الموارد نحوها بفعالية أكبر. يساعد هذا النوع من التحليل على تصميم سياسات تتناسب مع الاحتياجات الفعلية، بدلاً من الاعتماد على تقديرات غير دقيقة.<br />ثانياً: تحسين التعليم عبر الذكاء الاصطناعي:<br />يعتبر التعليم واحدًا من أهم العوامل التي تؤدي إلى تحسين مستويات المعيشة والحد من الفقر. يسهم الذكاء الاصطناعي في تحسين جودة التعليم عبر تقديم تجارب تعلم مخصصة تتناسب مع احتياجات الطلاب. على سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي توفير مواد تعليمية موجهة تساعد الطلاب في المناطق الفقيرة على التعلم بطريقة فعّالة من خلال التطبيقات الإلكترونية والمنصات التعليمية، حتى في حالة محدودية الموارد التعليمية أو قلة عدد المعلمين. يساعد هذا النوع من التعليم في تقليص الفجوة التعليمية وتطوير مهارات الأفراد، مما يزيد من فرصهم في الحصول على وظائف جيدة في المستقبل ويعزز فرص النمو الاقتصادي في هذه المناطق.<br />ثالثاً: تعزيز الوصول إلى الخدمات الصحية:<br />في مجال الرعاية الصحية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تحسين الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية، والتي تعد عاملًا حيويًا في مكافحة الفقر. من خلال التحليل الطبي الرقمي وتشخيص الأمراض باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، يمكن توصيل خدمات الرعاية الصحية إلى المناطق النائية والمجتمعات ذات الدخل المحدود، حيث قد لا تكون هناك مستشفيات أو أطباء متاحين. تقدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي أدوات تشخيصية قائمة على الهواتف المحمولة، وتساعد على كشف الأمراض الشائعة مثل الملاريا أو السل بشكل مبكر. هذا النوع من الرعاية الوقائية يقلل من تكلفة الرعاية الصحية على الأسر ذات الدخل المحدود، ويعزز من فرصهم للتمتع بصحة أفضل وبالتالي القدرة على العمل والإنتاج.<br />رابعاً: تحسين الشمول المالي من خلال الذكاء الاصطناعي:<br />الشمول المالي هو عنصر رئيسي في التخفيف من حدة الفقر، حيث يُمكن الأشخاص من الوصول إلى الخدمات المالية مثل القروض، الادخار، والتأمين. يعمل الذكاء الاصطناعي على تحسين الشمول المالي للأفراد في المجتمعات الفقيرة، من خلال تحليل البيانات المالية الشخصية بطرق مبتكرة. تمكن تقنيات الذكاء الاصطناعي المؤسسات المالية من توفير خدمات مالية مبتكرة، مثل منح القروض الصغيرة للأفراد ذوي الدخل المحدود بناءً على تحليل بيانات سلوكهم المالي بدلاً من الاعتماد على السجل الائتماني التقليدي. يمنح هذا الأفراد القدرة على تأسيس مشاريع صغيرة وتحقيق دخل إضافي، مما يعزز من استقلاليتهم الاقتصادية ويسهم في تحسين مستوى معيشتهم.<br />خامساً: تحسين كفاءة العمل وتوفير الفرص الوظيفية:<br />يساعد الذكاء الاصطناعي في تحسين كفاءة العمل وتوفير فرص وظيفية، خاصة في المناطق التي تعاني من ندرة الفرص الاقتصادية. باستخدام الروبوتات والأتمتة، يمكن تحسين إنتاجية القطاعات الزراعية والصناعية، حيث يمكن توفير تدريب للشباب على استخدام هذه التقنيات الجديدة، مما يزيد من كفاءتهم ويؤهلهم للعمل في وظائف أعلى دخلًا. كما يمكن للذكاء الاصطناعي تحديد الفرص المتاحة في سوق العمل وتوجيه الأفراد نحو المهارات المطلوبة، مما يعزز من فرص التوظيف ويحسن من مستوى الدخل.<br />واخيرًا يمكننا القول:<br />يمثل الذكاء الاصطناعي أداة قوية يمكن أن تسهم بشكل كبير في التخفيف من ظاهرة الفقر، من خلال توفير حلول مبتكرة للتحديات التي تواجه المجتمعات الفقيرة، وتحسين الوصول إلى التعليم، الصحة، والخدمات المالية، وتعزيز الفرص الاقتصادية. ومع ذلك، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي في مكافحة الفقر يجب أن يتم بحذر، مع مراعاة التحديات الأخلاقية والاقتصادية التي قد تواجه تطبيق هذه التقنيات.<br />يتطلب تحقيق هذه الأهداف تكاملاً بين الحكومات، المؤسسات، والمجتمع المدني لضمان استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مستدام ومسؤول لتحسين حياة الفئات الأكثر احتياجاً.<br />