تهدف هذه الدراسة إلى تحليل أحد مقاطع خطبة الإمام علي بن أبي طالب في سياق حرب الجمل من منظور نظرية المسألة (La Problématologie) التي طورها الفيلسوف ميشيل مايير.<br /> تركز النظرية على الأسئلة والإشكاليات الأساسية التي يسعى الخطاب إلى معالجتها بدل الاكتفاء بالإجابات المباشرة.<br /> من خلال تطبيق هذه النظرية، يكشف المقال عن عمق الخطبة وأهميتها الفكرية باعتبارها نموذجًا جدليًا يتجاوز زمنه ليقدم رؤية تأملية حول مفاهيم الحق، الفتنة، والمعايير الأخلاقية في السياق السياسي والاجتماعي.<br /> <br />- تُعد خطب الإمام علي بن أبي طالب مصدرًا مهمًا للفكر السياسي والديني في التراث الإسلامي، خاصة تلك التي ألقيت في ظروف سياسية مضطربة مثل حرب الجمل. هذه الخطب لم تكن مجرد بيانات سياسية، بل مشاريع فكرية تهدف إلى معالجة إشكاليات معقدة تتعلق بالشرعية، العدالة، ووحدة الأمة الإسلامية.<br />في هذا المقال، نعتمد على نظرية المسألة لميشيل مايير لتحليل مقطع من إحدى خطب الإمام علي.<br /> تركز هذه النظرية على اعتبار السؤال هو المحرك الأساسي للمعرفة والخطاب، مما يساعد على الكشف عن الأبعاد الخفية للنصوص من خلال تحليل الإشكاليات التي تطرحها، بدل الاكتفاء بفهم الإجابات السطحية.<br />المقطع المدروس<br />نورد المقطع الأساسي من الخطبة الذي يمثل محور التحليل:<br />"إنّ الحقّ لا يُعرف بالرجال، اعرف الحقّ تعرف أهله. وإنّ الفتنة إذا أقبلت شبّهت، وإذا أدبرت نَبَّهت. وإنّ أوّل الفتن هوى يُتَّبَع، وحكم يُبتدع. تُلقى على هذه الأمّة أكاذيب من مصادرها، وتحملها رجالها على غير معانيها."<br /> <br />تحليل المقطع وفق نظرية المسألة<br />1. الإشكاليات المركزية<br />في هذا المقطع، يطرح الإمام علي مجموعة من الإشكاليات الجوهرية، وأبرزها: كيف نميز الحق في أوقات الفتنة؟<br />هذا السؤال المركزي يتفرع إلى مجموعة من الأسئلة الأخرى:<br />• هل الحق مرتبط بالأشخاص أم بالقيم الثابتة؟<br />• كيف يمكننا كشف الفتنة وهي في بدايتها قبل أن تفضح نفسها بعد فوات الأوان؟<br />• ما هي الآليات الأخلاقية والمعرفية التي تمكننا من تجنب الوقوع في التضليل؟<br />2. إجابات الإمام علي وتحليلها<br />أ. الحق كقيمة موضوعية<br />يؤكد الإمام علي أن الحق لا يُعرف بالرجال، بل من خلال معايير موضوعية ومستقلة عن الشخصنة. وفق نظرية المسألة، هذه العبارة تمثل محاولة لتفكيك إشكالية معيارية جوهرية، حيث يعيد الإمام توجيه البحث عن الحق ليكون قائمًا على المبادئ لا على الأشخاص.<br />• السؤال الضمني هنا: ما هي المعايير الحقيقية للحق بعيدًا عن الأشخاص؟<br />ب. طبيعة الفتنة وآليات كشفها<br />يشير الإمام علي إلى أن الفتنة تُشبّه في بدايتها، ولا تنكشف إلا بعد انقضائها. هذه العبارة تطرح إشكالية تتعلق بالوعي التاريخي، فالسؤال هو: كيف يمكننا التحصن من الفتن وهي في بدايتها؟<br />الإمام يحذر من الهوى المتّبع والابتداع في الحكم، وهو تشخيص لطبيعة الفتنة التي تنبع من الخروج عن المبادئ الأصلية، مما يفتح المجال للتلاعب الفكري والسياسي.<br />ج. التحريف والتلاعب بالمفاهيم<br />عندما يقول الإمام: "تُلقى على هذه الأمّة أكاذيب من مصادرها، وتحملها رجالها على غير معانيها"، فإنه يشير إلى إشكالية معرفية خطيرة: التلاعب بالمفاهيم وتحريف الحقائق.<br />السؤال الموجه هنا هو: كيف نحمي الخطاب من التشويه والتلاعب؟<br />3. البعد الجدلي في الخطبة<br />خطاب الإمام علي لا يقدم إجابات نهائية، بل يفتح المجال للتفكير النقدي عبر إعادة صياغة المفاهيم وتفكيك الإشكاليات. هذا النمط الجدلي يجعل الخطبة نموذجًا حيًا لما تصفه نظرية المسألة بـ "الخطاب الإشكالي"، حيث يُستخدم النص لتحفيز المستمعين على البحث والتساؤل بدل التسليم بالمعطيات الجاهزة.<br /> <br />- إن تحليل خطبة الإمام علي بن أبي طالب من منظور نظرية المسألة يكشف عن عمقها الفلسفي وأهميتها في تقديم رؤية نقدية حول مفاهيم الحق والفتنة. الإمام لا يكتفي بتقديم أجوبة، بل يضع المستمع أمام إشكاليات تتطلب التأمل والتفكير المستمر. من هذا المنظور، يمكن اعتبار خطبه نموذجًا متجددًا للتحليل السياسي والفكري في كل عصر، خاصة في سياقات تتسم بالاضطراب الفكري والسياسي.<br /> <br />المصادر والمراجع<br />1. نهج البلاغة – جمعه الشريف الرضي.<br />o شرح ابن أبي الحديد المعتزلي، دار الكتب العلمية، بيروت، 2007.<br />o تحقيق صبحي الصالح، دار الهجرة، قم، 1983.<br />2. الإمام علي صوت العدالة الإنسانية – جورج جرداق، دار العلم للملايين، بيروت، 1975.<br />3. Michel Meyer, "La Problématologie: Philosophie, Science et Langage", Presses Universitaires de France, 1986.<br />4. تحليل الخطاب: نحو مقاربة إشكالية – محمد مفتاح، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1997.<br />5. البلاغة وتحليل الخطاب – محمد العمري، دار توبقال للنشر، 2002.<br />جامعة المستقبل <br />الجامعة الاولى في العراق