الأستاذ الدكتور <br /> عمار عباس الحسيني<br /> عميد كلية القانون<br /><br /><br />في ظل الاستخدام الواسع والمتنوع والمتطورع بشكلٍ متسارع جداً لتقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي من جهةٍ، وفي ظل غياب تشريعات واضحة لمعالجة ما قد ينجم عنه من جرائم وأضرار، بات الحديث ملحاً وضرورياً عن أزمة النص الجنائي في مواجهة جرائم الذكاء الاصطناعي ومدى ملائمة التشريعات الحالية للتجريم في مجال الذكاء الاصطناعي وقدرتها على إستيعاب السمات الخاصة بهذه التقنيات . ولعل ذلك سيتجلى في عدة وجوه، ابرزها : <br /><br />- ما المقصود بالنص الجنائي ؟ ومبدأ الشرعية الجنائية ؟ <br />- هل ان النصوص العقابية التقليدية كافية للتجريم في مجال الذكاء الاصطناعي ؟ <br />- هل يمكن الاستعانة بالنصوص التي تضمنتها تشريعات مكافحة الجرائم المعلوماتية والصادرة في معظم البلدان ؟<br />- كيف يمكن للنصوص أعلاه مواجهة الجرائم المرتكبة من قبل كيانات الذكاء الاصطناعي نفسها ؟ أي في حال تطوير نفسها ذاتياً من دون تدخل بشري .<br /><br />يقصد بـ (النص الجنائي) بأنه القالب الذي تصاغ فيه القاعدة الجنائية، او هو مجموعة من الالفاظ التي تؤدي الى معنى تحديد الجرائم وعقوباتها، وسيكون النص الجنائي هو الوعاء الذي يتضمن القواعد الجنائية التي بها يفرض المشرع الجنائي إرادته على المخاطبين بها . وتتميز النصوص او القواعد الجنائية بأنها من قواعد القانون العام التي توصف بأنها "قواعد آمرة"، ومن ثم فان العلاقة الخاضعة للقاعدة الجنائية ستنشأ بين الدولة والأشخاص المخالفين لها، ولكونها قواعداً آمرة فسوف لن يمتلك الخاضعين "الأشخاص والسلطة" لها صلاحية تعديلها او الاتفاق على خلافها . ومن المهم القول هنا ان النص الجنائي لس مقصوراً على التشريعات العقابية الجنائية "قوانين العقوبات" فحسب، بل يمتد ليجد له مكاناً في تشريعات أُخرى تتضمن أحكاماً عقابية كقوانين مكافحة البغاء والمخدرات وتشريعات رعاية الأحداث وتشريعات مكافحة الجرائم المعلوماتية وغيرها . والمهم هنا ان النص الجنائي عموماً سيكون النتاج الذي يخرج به المشرع لإفراغ فحوى مبدأ الشرعية الجزائية في قالب النص الجنائي، أينما ورد هذا الأخير .<br />اما مبدأ بـ (مبدأ الشرعية الجزائية) أي مبدأ (لا جريمة ولا عقوبة الا بنص) او ما يسمى بـ (الركن القانوني او الشرعي للجريمة) ( ) في النص القانوني الذي ينص عليها ويجرّمها، او هو الصفة غير المشروعة للسلوك المُرتكب من خلال تطابق الفعل المُقترف مع نص قانوني يعدهُ جريمة، ومن ثم فان المصدر الوحيد للتجريم والعقاب سيكون النص الجنائي وحده، وبغير هذا الركن لا يمكن الحديث عن "جــريمـــة" مهما بلغ حجم الضرر الناجم عنها ومهما بلغ مدى الاستنكار الاجتماعي لها او النظرة الدونية الاجتماعية لأفعالها، إذ ان الأعراف والأخلاق والنظرة الإجتماعية ليس من شأنها أن تخلق جريمة، ذلك ان التجريم والعقاب يُعدان من أخطر المسائل التشريعية التي تتصل بحقوق الافراد وتمس حرياتهم، نظراً للآثار والنتائج الخطيرة التي تترتب عليها، لذا بات مبدأ "الشرعية الجزائية" اليوم حجر الزاوية في النظام الجنائي بأسره، ولهذا بات القياس محظوراً مطلقاً في مجال التجريم .<br /><br />ولا شك في ان إتساع نطاق ما يقع من جرائم من قبل الذكاء الاصطناعي على النحو المتقدم سيضعنا أمام إشكالية كبيرة تتمثل في إصطدام تجريم او محاولة تجريم "بـــــعض" هذه السلوكيات والتصرفات بـ "مبدأ الشرعية الجزائية" . والواقع اننا نجد ان هذا الأمر يخضع لفرضيات متعددة، منها : <br />أولها : ان بعض جرائم الذكاء الاصطناعي يمكن شمولها بعمومية القواعد التقليدية للقوانين العقابية، ومنها التحريض او الابتزاز الذي يقع بواسطة هذه الكيانات والذي يمكن معه توظيف الاحكام العامة في التشريعات العقابية في تجريم هذه الأفعال، إنطلاقاً من مبدأ ان القانون الجنائي لا يعتد بالوسيلة .<br />ثانياً : ان بعض جرائم الذكاء الاصطناعي ستشملها قوانين مكافحة الجرائم المعلوماتية، إنطلاقاً من هذه الكيانات تتمثل في برمجيات تنظم تلك التشريعات ما يقع من جرائم منها او عليها . على الرغم من ان القِلة القليلة من البلدان ومنها العراق لا زالت تفتقر الى مثل هذه التشريعات وحتى وقت كتابة هذه الأسطر( ) .<br />ثالثاً : يمكن الاستعانة بالتشريعات العقابية التقليدية في "القواعد العامة" كالخطأ وموانع المسؤولية ومسؤولية الأشخاص المعنوية وغيرها، في معالجة ما يقم من هكذا حالات من قبل الذكا الاصطناعي .<br /><br />ومع كل ما تقدم سنرى فيما سيلي من صفحات، "الفروض" المحتملة في جرائم الذكاء الاصطناعي، مع مراعاة ان الأمر لا يخلو من تحديات وإشكاليات واقعية وقانونية، وأبرزها ان عمل الذكاء الاصطناعي كثيراً ما يؤدي الى إنتهاك حق الانسان في الخصوصية، وهو ما سيضعنا أمام مشكلة جديدة تتطلب التجريم . كذلك تُثار إشكالية من تقع عليه مسؤولية الجرائم المرتكبة من قبل كيانات الذكاء الاصطناعي "نفسها"، إذ باتت العديد من تلك التطبيقات والكيانات تُطور نفسها ذاتياً فترتكب جرائماً من دون تدخل العنصر البشري، وهو ما سيخلق مشكلة قانونية جديدة في مجال التجريم، مما سيجعل من النصوص القائمة قاصرةً عن إستيعاب العديد من فروض جرائم الذكاء الاصطناعي، ومنها هذا الفرض الذي نحن بصدده . ومن أمثلة ذلك قضية جهاز المحادثة "Tay" والصادر عن شركة ما يكروسوفت عام 2016 والذي قام بارسال آلاف الرسائل الالكترونية في ثماني ساعات عِبر تطبيق "X" المعروف في حينها بـ "Twitter"، وهي رسائل كانت تنطوي مضامين عنصرية مخالفة للقانون . وكذا ما تسبب به روبوت المحادثة "Eliza" من الدفع بأحد الأشخاص نحو الانتحار . <br />وعموماً، ففي ظل هذا الحال في بعض البلدان ومنها العراق التي ليس لديها تشريعات لمكافحة ومواجهة الجرائم المعلوماتية التي يمكن الاستعانة بها كحد أدنى في مواجهة جرائم الذكاء الاصطناعي، وايضاً ليس فيها تعديل تشريعي لقانون العقوبات يتضمن المعاقبة على الجرائم المعلوماتية كما في بعض البلدان الأُخرى، فان القضاء على لا يملك مِكنة إستحداث جرائم جديدة وذلك عملاً بمبدأ "الشرعية الجزائية"، وهو ما سيجعل من تشريع قوانين او إضافة نصوص عقابية جديدة لمواجهة هذا النوع من الجرائم، أمراً مُلحاً . ومن هنا تبدو مبررات التدخل التشريعي في هذا الصدد، لاسيما بعد أن أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً لا مفر منه من جهةً لتعدد إستخداماته، ومن جهة أُخرى تزايد ما يقع منه من جرائم قد جعلت منه أمراً خارجاً عن السيطرة في كثير من الأحيان، مما يتطلب مواجهةً تشريعية جنائية .<br /><br />جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق