تُعدّ لوحة "غرق السفينة ميدوزا" (Le Radeau de la Méduse) للفنان الفرنسي الرومانسي تيوفيل جيريكو (1791–1824) من أبرز الأعمال الفنية التي جسّدت مأساة إنسانية حقيقية بأسلوب درامي واقعي. رُسمت هذه اللوحة بين عامي 1818 و1819، وتُعرض حاليًا في متحف اللوفر بباريس.<br />تتناول اللوحة حادثة غرق السفينة الفرنسية "ميدوزا" عام 1816، والتي كانت تحمل على متنها 400 شخص، من بينهم الحاكم الفرنسي للسنغال. بعد أن علقت السفينة في الرمال قبالة سواحل موريتانيا، استقل الضباط والركاب المهمون قوارب النجاة، تاركين 147 شخصًا من الركاب والبحارة على طوف بدائي. تُرك هؤلاء في عرض البحر لمدة 13 يومًا، ولم ينجُ منهم سوى 15 شخصًا، بعد أن واجهوا الجوع والعطش واللجوء إلى أكل لحوم الموتى للبقاء على قيد الحياة.<br />استلهم جيريكو هذه المأساة لتكون موضوعًا للوحته، حيث أجرى بحوثًا مكثفة، وقابل اثنين من الناجين، وزار المستشفيات لدراسة تأثير الموت على الجسد البشري. كما قام ببناء نموذج للطوف في مرسمه، مما ساعده على تقديم تصوير دقيق ومؤثر للمشهد.<br />تُظهر اللوحة مجموعة من الناجين في لحظة يأس وأمل، حيث يلوّح أحدهم بقطعة قماش لسفينة بعيدة. يُبرز جيريكو التباين بين الحياة والموت، والأمل واليأس، من خلال استخدامه للضوء والظل، وتوزيع الشخصيات في تكوين هرمي يعكس التوتر الدرامي للموقف.<br />تُعتبر هذه اللوحة نقدًا اجتماعيًا وسياسيًا حادًا، حيث تعكس فشل الحكومة الفرنسية في إدارة الأزمة، وتُبرز التفاوت الطبقي، إذ تُرك الفقراء والجنود لمصيرهم، بينما نجا النخبة. كما تُعدّ مثالًا بارزًا على الفن الرومانسي، الذي يركّز على العاطفة والدراما والتجارب الإنسانية القاسية.<br />في الختام، تُجسّد لوحة "غرق السفينة ميدوزا" التقاء الفن بالتاريخ والإنسانية، وتُظهر كيف يمكن للعمل الفني أن يكون وسيلة قوية للتعبير عن القضايا الاجتماعية والسياسية، وتوثيق المآسي الإنسانية بأسلوب فني راقٍ ومؤثر.<br />جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق.