في عصرٍ تتزاحم فيه الإجابات الجاهزة، وتتداول فيه المعرفة كسلعة سريعة الاستهلاك، يصبح التميّز الحقيقي نادرًا، ويبرز العبقري بوصفه حالة فكرية وروحية لا تعرف الرضا بالسكون، ولا تتوقف عند حدود المألوف. العبقري ليس ذلك الذي يقدّم أسرع الحلول، بل هو من يصوغ أعمق الأسئلة. وهنا نستعيد مقولة د. مصطفى محمود: "العبقري لا يفكر في الإجابة الصحيحة فقط، بل يفكر في السؤال الصحيح." إنها عبارة تختصر الفرق بين من يسير على الدرب، ومن يصنعه. الإنسان العادي يبحث عن الحلول ضمن إطار المشكلة، بينما العبقري يتجاوز هذا الإطار، فيصوغ تساؤلات قد تفتح أبوابًا لآفاق جديدة لم تُكتشف بعد. فهو لا يهاب الغموض، بل يتخذه مجالًا للتأمل والبحث، ولا يتجنب الشك، بل يحاوره أحيانًا ويصادقه أو يعاديه بحسب ما يفرضه الفكر. العبقري لا يكتفي بما يرى، بل يسبر أغوار ما لا يُرى. يمتلك بصيرة تتجاوز المشهد الظاهري لتغوص في عمق الفكرة وروح الظاهرة. يرى الأسئلة بوصفها مصابيح تضيء عتمة الفكر، ويحوّل كل تحدٍ إلى مشروع فهم، وكل غموض إلى احتمال قابل للاستكشاف. وبينما يلتزم الإنسان العادي بالمسارات الجاهزة، يسلك العبقري دروبًا غير مطروقة. لا يكرر، بل يبتكر. لا يكتفي بأن يفهم، بل يسعى ليعيد صياغة الفهم ذاته. وهذا ما يجعل العبقرية ليست حصيلة ذكاء فحسب، بل نتاج شغف مستمر بالسؤال ورغبة لا تهدأ في إعادة اكتشاف العالم. في السياق التربوي، تُمثّل هذه الفلسفة محورًا مهمًا لتحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة: التعليم الجيد. فالتعليم الذي لا يُنمّي روح السؤال، ولا يشجع التفكير النقدي، يظلّ قاصرًا عن إعداد إنسان قادر على التكيّف، الإبداع، والمساهمة في بناء مستقبل مستدام. ولهذا، فإن غرس ثقافة السؤال، وتقبّل الغموض، وتقدير الاختلاف في الفهم، كلها مفاتيح لتربية عباقرة المستقبل، لا حفظة الماضي. إن الفرق بين الإنسان العبقري والعادي ليس في حجم المعلومة التي يمتلكها، بل في نوع السؤال الذي يطرحه، وفي رغبته العميقة في اختراق حدود المألوف. العبقري هو من يسأل دائمًا: "لماذا؟ وماذا لو؟"، وهو بذلك، لا يصنع الإجابة فقط، بل يصنع مستقبل الفكر.<br /><br />جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق.