تشهد العراق في السنوات الأخيرة ارتفاعاً غير مسبوق في درجات الحرارة، حيث تجاوزت في بعض المناطق حاجز الـ50 درجة مئوية، كما سجلت مدينة البصرة عام 2023 درجة حرارة قياسية بلغت 52.5 مئوية وفقاً لوزارة البيئة العراقية. هذا الارتفاع المتسارع يُنذر بأزمة بيئية واقتصادية وصحية تتفاقم تدريجياً. تُرجع الدراسات العلمية أسباب هذه الظاهرة إلى مزيج من العوامل العالمية المرتبطة بالتغير المناخي، وعوامل محلية ناتجة عن السياسات الإدارية والبنية التحتية. <br /><br /><br />1. التغير المناخي العالمي والاحتباس الحراري <br />يُعد العراق من أكثر الدول تأثراً بالتغير المناخي بسبب موقعه الجغرافي ضمن "المنطقة شبه الجافة"، حيث تشير تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) إلى أن الشرق الأوسط سيشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة بمعدل ضعف المتوسط العالمي. ويرتبط هذا الارتفاع بشكل رئيسي بزيادة انبعاثات الغازات الدفيئة، مثل ثاني أكسيد الكربون، الناتجة عن الأنشطة الصناعية وحرق الوقود الأحفوري عالمياً. وفقاً لبيانات منظمة الأرصاد العالمية (WMO)، ساهم ارتفاع تركيز هذه الغازات بنسبة 50% مقارنة بعصر ما قبل الثورة الصناعية في تفاقم موجات الحر. <br /><br /><br />2. أزمة إدارة الموارد المائية والجفاف <br />يعاني العراق من شح حاد في الموارد المائية بسبب عوامل خارجية وداخلية. فمن ناحية، أدى بناء سدود ضخمة على نهري دجلة والفرات في تركيا وإيران (مثل سد إليسو التركي) إلى انخفاض تدفق المياه إلى العراق بنسبة 40% خلال عقدين، وفقاً لتقرير صادر عن منظمة الفاو عام 2021. ومن ناحية أخرى، سوء إدارة المياه محلياً، مثل الاعتماد على طرق ري تقليدية مهدرة، زاد من تدهور الأراضي الزراعية وتحولها إلى صحارى جافة. يُذكر أن 50% من الأراضي الرطبة في جنوب العراق جفت تماماً، مما قلل من التبخر وزيادة حرارة السطح، وفقاً لدراسة أجرتها جامعة البصرة عام 2022. <br /><br /><br />3. التوسع العمراني العشوائي وتأثير "الجزر الحرارية" <br />أدى النمو السكاني والتوسع العشوائي للمدن إلى استبدال المساحات الخضراء بكتل إسمنتية تعكس الحرارة. تُظهر دراسات نُشرت في مجلة "Environmental Research Letters" أن مدنًا مثل بغداد والموصل تشهد ظاهرة "الجزر الحرارية الحضرية"، حيث تكون درجة الحرارة في المركز أعلى بـ5-7 درجات مقارنة بالضواحي. ويعود ذلك إلى استخدام مواد بناء غير مستدامة وندرة التشجير، ما يحبس الحرارة ويرفع معدلاتها ليلاً ونهاراً. <br /><br /><br />4. تدهور الغطاء النباتي والتصحر <br />فقد العراق أكثر من 50% من غطائه النباتي خلال 30 عاماً بسبب الرعي الجائر وقطع الأشجار غير القانوني، وفقاً لتقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP). كما أدت موجات الجفاف المتكررة إلى تدهور التربة وزيادة مساحات الأراضي القاحلة، مما قلل من قدرة النظام البيئي على امتصاص الحرارة. يُضاف إلى ذلك تأثير العواصف الترابية المتكررة، التي تحجب الغلاف الجوي وتزيد من امتصاص الأشعة الشمسية. <br /><br /><br />5. ضعف البنية التحتية وغياب السياسات البيئية <br />يعاني العراق من نقص في الاستثمارات الموجهة للتكيف مع التغير المناخي، مثل أنظمة تبريد مستدامة أو مشاريع تشجير واسعة. كما أن اعتماده شبه الكلي على الوقود الأحفوري لتوليد الطاقة يزيد من الانبعاثات محلياً، بينما تُهمل مشاريع الطاقة المتجددة رغم إمكانات العراق الشمسية الهائلة، وفقاً لتحليل البنك الدولي عام 2023. <br /><br /><br />الخاتمة:<br />نحو حلول عاجلة <br />ارتفاع حرارة العراق ليس قدراً محتوماً، لكنه نتيجة تراكمية تحتاج إلى تدابير جذرية. على المستوى العالمي، يجب الضغط لتنفيذ اتفاقيات خفض الانبعاثات مثل "اتفاقية باريس". محلياً، يتطلب الأمر إصلاح إدارة المياه، وتشجيع الزراعة المستدامة، واعتماد التخطيط الحضري الأخضر، والاستثمار في الطاقة الشمسية. فقط عبر مقاربة شاملة يمكن تخفيف تداعيات هذه الأزمة التي تهدد مستقبل البلاد. <br /><br /><br />المصادر: <br />1. تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC). <br />2. منظمة الأرصاد العالمية (WMO). <br />3. وزارة البيئة العراقية، بيانات 2023. <br />4. منظمة الفاو، تقرير "أزمة المياه في العراق" (2021). <br />5. برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP). <br />6. البنك الدولي، تقرير "الطاقة المتجددة في العراق" (2023).<br /><br /><br />م.م. عمار بدري يونس<br />جامعه المستقبل الجامعه الاولى في العراق