المقدمة<br />استسقاء الرأس بضغط طبيعي (Normal Pressure Hydrocephalus - NPH) هو اضطراب عصبي يصيب بشكل رئيسي كبار السن، ويتميّز بثلاثية من الأعراض تشمل اضطراب المشي، السلس البولي، والتدهور الإدراكي.<br />وعلى الرغم من كونه سببًا قابلاً للعلاج من أسباب الخرف، إلا أنه غالبًا ما يُشخّص بشكل خاطئ أو يُخلط مع أمراض مثل الزهايمر أو الشلل الرعاش (باركنسون). يمكن أن يؤدي التشخيص المبكر والتدخل المناسب إلى تحسين كبير في جودة حياة المصابين.<br /><br />الفيزيولوجيا المرضية<br />يُعد استسقاء الرأس بضغط طبيعي شكلاً من استسقاء الرأس المتصل، حيث يتدفق السائل الدماغي الشوكي (CSF) بحرية بين البطينات والمساحة تحت العنكبوتية، لكن لا يُعاد امتصاصه بشكل صحيح. يؤدي ذلك إلى تراكم تدريجي للسائل داخل البطينات الجانبية، مما يسبب توسعها دون ارتفاع ملحوظ في ضغط الجمجمة، ومن هنا جاءت تسمية "بضغط طبيعي".<br /><br />الآلية الدقيقة غير مفهومة تمامًا، لكن يُعتقد أن ضعف امتصاص السائل الدماغي الشوكي بواسطة حبيبات العنكبوتية يؤدي إلى توسع البطينات، مما يضغط على البنى الدماغية المجاورة، لا سيما المادة البيضاء المحيطة بالبطينات. وهذا الضغط يؤثر على المسارات المسؤولة عن التحكم الحركي والإدراك ووظائف المثانة.<br /><br />العلامات السريرية<br />عادةً ما يظهر استسقاء الرأس بضغط طبيعي بثلاثية الأعراض الكلاسيكية:<br /><br />اضطراب المشي – غالبًا أول وأبرز الأعراض. يتصف بالمشي المتعثر، ويُوصف أحيانًا بأنه "مشي مغناطيسي" حيث يبدو أن القدمين ملتصقتان بالأرض.<br /><br />التدهور الإدراكي – يشبه الخرف تحت القشري، ويتضمن بطء التفكير، نقص التركيز، وضعف الوظائف التنفيذية. فقدان الذاكرة يكون أقل وضوحًا مقارنة بمرض الزهايمر.<br /><br />السلس البولي – قد يبدأ بزيادة في الإلحاح أو التكرار، ويتطور تدريجيًا إلى فقدان التحكم بالمثانة.<br /><br />ليس بالضرورة أن تظهر الأعراض الثلاثة لدى جميع المرضى، وقد تختلف شدتها. يُعتبر اضطراب المشي الأكثر استجابة للعلاج.<br /><br />التشخيص<br />يتطلب تشخيص استسقاء الرأس بضغط طبيعي الدمج بين التقييم السريري والفحوصات التصويرية العصبية:<br /><br />التصوير العصبي:<br /><br />يُظهر التصوير بالرنين المغناطيسي أو الأشعة المقطعية توسعًا في البطينات (ventriculomegaly) بشكل غير متناسب مع ضمور القشرة الدماغية.<br /><br />مؤشر إيفانز (Evans index) أكبر من 0.3 يُعد مؤشرًا داعمًا للتشخيص (نسبة عرض القرن الأمامي للبطين إلى عرض الجمجمة الداخلي في نفس المستوى).<br /><br />اختبار سحب السائل الدماغي (CSF Tap Test):<br /><br />سحب 30–50 مل من السائل الشوكي عبر البزل من الفقرات القطنيه قد يؤدي إلى تحسن مؤقت في المشي أو الإدراك، مما يدعم التشخيص.<br /><br />تجربة التصريف القطني:<br /><br />تصريف مستمر للسائل الدماغي على مدار 2–3 أيام لتقييم تحسن الأعراض.<br /><br />تشمل التشخيصات التفريقية: مرض الزهايمر، الشلل الرعاش، الخرف الوعائي، والترنح المخيخي.<br /><br />العلاج<br />العلاج الرئيسي لاستسقاء الرأس بضغط طبيعي هو التدخل الجراحي من خلال تركيب تحويلة بطينية صفاقية (VP Shunt)، يتم فيها إدخال قسطرة في البطينات لتصريف السائل الدماغي الزائد إلى التجويف البطني حيث يُمتص هناك.<br /><br />الاستجابة للتحويلة تختلف، لكنها قد تؤدي إلى تحسن ملحوظ، خاصة في المشي.<br /><br />المضاعفات تشمل خلل في التحويلة، العدوى، تجمع دموي تحت الجافية، أو التصريف الزائد.<br /><br />اختيار المريض المناسب أمر بالغ الأهمية – المرضى الذين أظهروا تحسنًا في اختبار سحب السائل الدماغي هم الأكثر احتمالًا للاستفادة من العملية.<br /><br />الإنذار (التكهن)<br />عند التشخيص والعلاج المبكر، فإن استسقاء الرأس بضغط طبيعي يحمل إنذارًا جيدًا مع تخفيف ملحوظ للأعراض. يكون تحسن المشي عادةً هو الأبرز، بينما قد تتحسن الأعراض الإدراكية والبَولية بشكل أبطأ أو جزئي. التأخر في التشخيص يمكن أن يؤدي إلى ضرر دائم يقلل من فرص التحسن.<br /><br />الخلاصة<br />يُعد استسقاء الرأس بضغط طبيعي حالة قابلة للعكس تُحاكي أمراضًا تنكسية عصبية شائعة لدى كبار السن. يُعد التعرف على الثلاثية السريرية وإجراء الفحوصات التشخيصية المناسبة، خصوصًا التصوير وسحب السائل الدماغي، أمرًا أساسيًا للتشخيص المبكر. ومع إجراء جراحة التحويلة في الوقت المناسب، يمكن للعديد من المرضى استعادة قدرتهم على الحركة والاستقلالية والوظائف الإدراكية، مما يجعل NPH من الأسباب القليلة القابلة للعلاج للخرف لدى كبار السن.<br />بقلم الدكتورة زهراء طارق حسون<br />جامعة المستقبل الاولى في العراق