أ.د حيدر علي الدليميّ <br />كلية العلوم الادارية- جامعة المستقبل <br />29/ 5/ 2025<br /><br />يشكل القضاء على الفقر وتعزيز العمل اللائق محورين أساسيين ضمن أجندة أهداف التنمية المستدامة (SDGs) التي أقرتها الأمم المتحدة عام 2015. ففي حين يسعى الهدف الأول إلى (القضاء على الفقر بجميع أشكاله في كل مكان)، يهدف الهدف الثامن إلى (تعزيز النمو الاقتصادي المستدام والشامل والعمالة الكاملة والمنتجة وتوفير العمل اللائق للجميع). وتُبرز العلاقة بين هذين الهدفين طبيعة التداخل البنيوي بين الاقتصاد والعمل والعدالة الاجتماعية. فبدون عمل لائق يضمن دخلاً كافياً وحماية اجتماعية، يصعب الحديث عن حلول جذرية للفقر. ومن هنا تنبع أهمية تبني العمل اللائق كمدخل استراتيجي لمعالجة الفقر وتعزيز التنمية الشاملة والمستدامة.<br />أولًا: مفهوم العمل اللائق وأبعاده<br />وُضع مفهوم (العمل اللائق) لأول مرة ضمن أجندة منظمة العمل الدولية (ILO) في أواخر التسعينيات، ويُقصد به العمل الذي يوفر:<br /> 1. أجرًا منصفًا يضمن الحياة الكريمة.<br /> 2. أمانًا وظيفيًا وظروف عمل آمنة وصحية.<br /> 3. حماية اجتماعية تشمل التأمين الصحي والتقاعد والتعويضات.<br /> 4. حرية التنظيم والمفاوضة الجماعية.<br /> 5. تكافؤ الفرص وعدم التمييز.<br /><br />ويمثل العمل اللائق حجر الزاوية في بناء مجتمعات متوازنة، حيث يسهم في الحد من الفقر وتعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي.<br /><br />ثانيًا: العلاقة التبادلية بين العمل اللائق والقضاء على الفقر<br />تتمثل العلاقة بين العمل اللائق والقضاء على الفقر في عدة محاور:<br /> 1. الدخل المستقر والمستدام: إذ يمثل العمل المنتج والمستقر وسيلة رئيسية للخروج من دائرة الفقر، بخلاف الأعمال الهامشية أو غير الرسمية التي تكرّس هشاشة اقتصادية.<br /> 2. الحماية من الصدمات الاقتصادية: توفر أنظمة الحماية المرتبطة بالعمل اللائق مظلة أمان للعاملين وأسرهم في حالات الطوارئ.<br /> 3. التمكين الاجتماعي: يمنح العمل اللائق الأفراد شعورًا بالكرامة والانتماء، ويعزز مشاركتهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.<br /> 4. دور المرأة والشباب: يسهم إدماج النساء والشباب في سوق العمل اللائق في كسر دوائر التهميش المتوارثة وتعزيز العدالة الاجتماعية.<br />ثالثًا: تحديات تحقيق العمل اللائق في الدول النامية<br />رغم الاعتراف الواسع بأهمية العمل اللائق، تواجه العديد من الدول النامية عقبات بنيوية تحول دون تحقيقه، منها:<br /> 1. ارتفاع نسبة العمالة غير الرسمية التي تفتقر إلى الحماية القانونية والاجتماعية.<br /> 2. ضعف النمو الاقتصادي المستدام وتركز الثروة في قطاعات ريعية.<br /> 3. الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.<br /> 4. النقص في تشريعات العمل أو عدم تنفيذها بفعالية.<br /> 5. الهشاشة السياسية والنزاعات المسلحة التي تعيق بناء مؤسسات قادرة على توفير بيئة عمل لائقة.<br />رابعًا: نحو اقتصاد شامل ومستدام عبر العمل اللائق<br />يتطلب تحقيق النمو الاقتصادي الشامل والمستدام، كأداة للقضاء على الفقر، سياسات متكاملة تركز على:<br /> • تعزيز الاستثمارات في القطاعات المنتجة وفرص العمل الخضراء.<br /> • دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال، خاصة في المناطق الريفية والمهمشة.<br /> • إصلاح نظام التعليم والتدريب المهني ليتماشى مع متطلبات الاقتصاد الحديث.<br /> • توسيع الحماية الاجتماعية وتطبيق قوانين العمل بعدالة وشفافية.<br /> • تشجيع الاقتصاد الرقمي والعمل عن بعد بما يفتح آفاقًا جديدة للتوظيف.<br />إن العمل اللائق ليس مجرد هدف اقتصادي، بل هو ركيزة لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة. ومن خلال توفير فرص عمل كريمة ومنتجة تحترم الحقوق وتضمن الحماية، يمكن للدول أن تُحدث تحولًا نوعيًا في مكافحة الفقر وبناء اقتصاد يشمل الجميع ولا يترك أحدًا خلف الركب. إن تبني العمل اللائق كخيار استراتيجي يفرض نفسه اليوم أكثر من أي وقت مضى، في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة تتطلب حلولًا شاملة وعادلة.<br />جامعة المستقبل الجامعة الأولى في العراق.