مقدمة<br />شهدت العقود الأخيرة تزايدًا لافتًا في الإقبال على عمليات التجميل بين النساء، مدفوعةً بتأثيرات وسائل الإعلام، وصناعة الجمال، والتوقعات المجتمعية المتصاعدة بشأن "المظهر المثالي". وبينما قد تمنح هذه العمليات شعورًا مؤقتًا بالرضا أو الثقة بالنفس، إلا أنها تحمل في طياتها أضرارًا نفسية، اجتماعية، واقتصادية، بل وتمتد لتؤثر على الهوية الشخصية والمهنية للمرأة.<br /><br />أولاً: التأثير النفسي والهوية الذاتية<br />تشير الدراسات إلى أن النساء اللواتي يخضعن لعمليات التجميل يكنّ أكثر عرضة لاضطرابات القلق، واضطرابات صورة الجسد، وحتى الاكتئاب بعد الجراحة، خاصةً إذا لم تتحقق التوقعات المرجوة من النتيجة.<br />في دراسة نُشرت عام 2023 في مجلة Body Image، تبين أن 68% من النساء اللاتي خضعن لأكثر من عملية تجميل أبلغن عن زيادة في القلق المرتبط بالمظهر، مقارنة بمن لم يخضعن لأي تدخل تجميلي. وتعزى هذه الظاهرة لما يسمى بـ"اضطراب التشوه الجسدي" (Body Dysmorphic Disorder)، الذي غالبًا ما يتفاقم بعد العمليات بدلاً من أن يُعالج.<br /><br />ثانيًا: التأثير الاجتماعي والثقافي<br />ساهمت العمليات التجميلية في تكريس معايير جمالية موحّدة، مما أدى إلى إضعاف التنوع الثقافي في تعريف الجمال. وتُظهر تحليلات سوسيولوجية أن السعي وراء "الأنف الأوروبي" أو "الشفاه الممتلئة" أصبح يعكس تبعية ثقافية لما يُعرف بـ"الاستعمار الجمالي".<br />كما تؤدي هذه العمليات إلى تفكك الصورة الذاتية، خاصة بين الشابات، اللاتي يشعرن بأن قيمتهن الشخصية والاجتماعية مرهونة بمظهرهن فقط، مما يقلل من تقدير الذات القائم على الكفاءة أو الأخلاق أو الذكاء.<br /><br />ثالثًا: التأثير الاقتصادي<br />التكلفة المرتفعة لعمليات التجميل تخلق عبئًا ماليًا، وقد تدفع بعض النساء إلى اللجوء لقروض استهلاكية أو عيادات غير مرخصة، ما يزيد من احتمالية المضاعفات الطبية. ووفقًا لتقرير الجمعية الدولية لجراحة التجميل (ISAPS, 2024)، فإن أكثر من 30% من عمليات التجميل في الدول النامية تُجرى في مراكز غير معتمدة، ما يضاعف من المخاطر الصحية.<br /><br />رابعًا: التأثير المهني والأكاديمي<br />رغم أن بعض النساء يعتقدن أن تحسين المظهر سيزيد من فرص النجاح المهني، إلا أن الأدلة تشير إلى العكس في كثير من الحالات. فالمبالغة في الجراحات التجميلية قد تُنظر إليها في البيئات المهنية كعلامة على قلة الجدية أو السطحية، خاصة في المهن الأكاديمية والطبية.<br />كما أظهرت دراسة نشرت في Journal of Occupational Health Psychology عام 2022، أن الموظفات اللواتي أجرين تغييرات تجميلية كبيرة كنّ أكثر عرضة للتمييز الضمني في أماكن العمل، خاصة من قبل النساء الأخريات، نتيجة ما يُعرف بالـ “الجمال التنافسي” (competitive attractiveness).<br /><br /><br /><br /><br /><br />خامسًا: التأثير الأخلاقي والطبي<br />من الناحية الطبية، تفيد مراجعة منهجية نشرتها مجلة Aesthetic Surgery Journal عام 2023 أن نسبة المضاعفات الجسدية بعد الجراحات التجميلية الاختيارية تتراوح بين 8 إلى 15%، وتتضمن التهابات، اختلالات شكلية، وحاجة إلى عمليات تصحيحية.<br />الأخطر هو تسويق هذه العمليات على أنها "ضرورية" للثقة بالنفس، مما يُخضع النساء لضغوط تجارية ونفسية تُهدد مبدأ "الموافقة المستنيرة"، وتطرح تساؤلات أخلاقية حول مسؤولية الأطباء ووسائل الإعلام في رسم خريطة الجمال الاجتماعي.<br /><br />خاتمة<br />رغم أن عمليات التجميل قد توفر لبعض النساء شعورًا آنياً بالتحسن النفسي أو الاجتماعي، إلا أن الأدلة تُظهر بوضوح أن لها تأثيرات سلبية متعددة على المدى المتوسط والبعيد، تمتد إلى مجالات النفس، المجتمع، الاقتصاد، والمهنة. والحل لا يكمن فقط في تنظيم هذه العمليات طبياً، بل في إعادة تشكيل الخطاب الثقافي حول الجمال، والاعتراف بقيمة التنوّع الجسدي والقبول الذاتي.<br />بقلم الدكتوره بان ظاهر ذباح<br />جامعة المستقبل الاولى على الجامعات الاهلية<br /><br /><br /><br />