السمع عملية حسية معقدة تعتمد على تفاعل آلاف الجينات والبروتينات والبنى الخلوية داخل الجهاز السمعي. في السنوات الأخيرة، أحدث مجال جينوميات السمع—وهو دراسة كيف تؤثر الجينات على السمع وفقدانه—ثورة في فهمنا للوظيفة السمعية الطبيعية وأسباب الصمم. تستعرض هذه المقالة أساسيات وتطورات وآفاق جينوميات السمع، وتبرز تأثيرها الكبير على التشخيص والعلاج وإمكانية علاج فقدان السمع مستقبلاً.<br /><br /><br />الأساس الجيني للسمع<br />الجهاز السمعي وتعقيده الوراثي<br />يعتمد السمع على التطور السليم ووظيفة الأذن الخارجية والوسطى والداخلية، بالإضافة إلى العصب السمعي والمسارات المركزية. كل مكون يتشكل عبر برنامج جيني فريد:<br />• خلايا الشعر في القوقعة تحول الذبذبات الصوتية إلى إشارات كهربائية.<br />• الخلايا الداعمة تحافظ على البيئة الأيونية الضرورية لوظيفة خلايا الشعر.<br />• الجينات المشبكية تضمن نقل الإشارات السمعية بشكل سليم إلى الدماغ.<br />تم تحديد أكثر من 150 جيناً ضرورياً للسمع، ويمكن أن تؤدي الطفرات في أي منها إلى فقدان السمع.<br />أنواع فقدان السمع الوراثي<br />1. فقدان السمع غير المتلازمي (NSHL):<br />o يشكل حوالي 70% من حالات فقدان السمع الوراثي.<br />o يؤثر فقط على السمع دون أعراض أخرى.<br />o الجينات الشائعة: GJB2 (كونكسين 26)، OTOF، SLC26A4.<br />2. فقدان السمع المتلازمي:<br />o يحدث فقدان السمع مع أعراض سريرية أخرى.<br />o أمثلة: متلازمة أوشر (فقدان السمع + فقدان البصر)، متلازمة واردنبورغ (فقدان السمع + تغيرات في التصبغ).<br />أنماط الوراثة<br />• وراثة جسمية متنحية: الأكثر شيوعاً، خاصة في الحالات الخلقية والشديدة.<br />• وراثة جسمية سائدة: غالباً تظهر في عمر متأخر.<br />• وراثة مرتبطة بالكروموسوم X أو الميتوكوندريا: أقل شيوعاً، لكنها مهمة في بعض العائلات.<br /><br />التقنيات الجينومية في أبحاث السمع<br />التسلسل الجيني المتقدم (NGS)<br />أصبح التسلسل الجيني الحديث وسيلة سريعة وفعالة من حيث التكلفة لتحليل جميع جينات الصمم المعروفة، مما جعل التشخيص الجيني أكثر سهولة. تشمل التقنيات:<br />• تسلسل الإكسوم الكامل (WES): يركز على المناطق المشفرة للبروتين في الجينوم.<br />• تسلسل الجينوم الكامل (WGS): يكشف جميع التغيرات الجينية، بما في ذلك المناطق غير المشفرة.<br />دراسات الارتباط الجينومي الواسعة (GWAS)<br />تحدد GWAS المتغيرات الجينية الشائعة المرتبطة بفقدان السمع المرتبط بالعمر أو الضوضاء في مجموعات سكانية كبيرة. ربطت دراسات حديثة متغيرات في جينات مثل EYA4 وGRM7 وPCDH20 بقابلية فقدان السمع.<br /><br />التطبيقات السريرية<br />التشخيص الجيني<br />• الكشف المبكر: يتيح التدخل السريع (مثل زراعة القوقعة أو المعينات السمعية).<br />• الطب الشخصي: يوجه العلاج حسب السبب الجيني (مثلاً: تجنب المضادات الحيوية من نوع أمينوغليكوزيد في طفرات MT-RNR1).<br />• الإرشاد الأسري: يوضح خطر تكرار الحالة ويوجه القرارات الإنجابية.<br />العلاج الجيني والتقنيات الناشئة<br />• استبدال الجين: نقل نسخ سليمة من الجينات المعيبة (مثلاً: علاج جين OTOF لاعتلال العصب السمعي).<br />• تحرير الجينوم: تقنيات كريسبر/كاس9 وتحرير القواعد لتصحيح الطفرات داخل الجسم.<br />• العلاجات القائمة على الحمض النووي الريبي: يمكن للأوليغنوكليوتيدات المضادة للحس تعديل التعبير الجيني أو عملية التضفير.<br />علم الصيدلة الجينومي<br />فهم التباينات الجينية في استقلاب الأدوية يمكن أن يمنع السمية السمعية (فقدان السمع الدوائي) ويحسن العلاج.<br /><br />التحديات وآفاق المستقبل<br />التغايرية الجينية<br />• مئات الجينات يمكن أن تسبب فقدان السمع، ما يجعل الفحص الشامل ضرورياً.<br />• لا يزال العديد من الحالات غير مفسر، مما يشير إلى وجود جينات أو تفاعلات معقدة لم تُكتشف بعد.<br />الاعتبارات الأخلاقية والاجتماعية<br />• يثير الفحص الجيني أسئلة حول الخصوصية والتمييز والموافقة المستنيرة.<br />• إشراك المجتمع، خاصة ثقافة الصم، ضروري لأبحاث ورعاية مسؤولة.<br />نحو الطب الدقيق<br />• دمج الجينوميات مع دراسات النسخ والبروتيوميات والتصوير المتقدم سيحسن التشخيص والعلاج.<br />• هناك حاجة لدراسات خاصة بالسكان لمعالجة التنوع الجيني عالمياً.<br /><br />الخلاصة<br />يغير علم جينوميات السمع مشهد علوم السمع والرعاية السريرية. من خلال فك الشيفرة الوراثية للسمع والصمم، يمهد الباحثون الطريق للتشخيص المبكر والعلاجات الموجهة، وفي النهاية للوقاية أو علاج العديد من أشكال فقدان السمع. مع تقدم التكنولوجيا وتعمق الفهم، يصبح تحقيق استعادة السمع عبر الطب الجينومي هدفاً أقرب إلى الواقع.<br />بقلم الدكتور علي حسين حمزه النصراوي<br />جامعة المستقبل الاولى على الجامعات الاهلية<br />