يشهد العالم اليوم ثورة تكنولوجية غير مسبوقة تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI)، والتي بدأت تعيد تشكيل مفاهيم عديدة، من بينها مفهوم الملكية الفكرية. ففي الوقت الذي يُعد فيه القانون المدني العراقي، كغيره من التشريعات، إطارًا تقليديًا يركز على الإبداع البشري، تطرح أدوات الذكاء الاصطناعي تحديات جوهرية تتطلب إعادة نظر في أسس حماية المصنفات وحقوق المؤلفين والمبتكرين.<br />تكمن الإشكالية الأولى في تحديد المؤلف. فالمادة (1050) من القانون المدني العراقي تنص على أن "كل من أتى عملاً غير مشروع وأصاب غيره بضرر، يلتزم بتعويض الضرر الذي أحدثه". هذه المادة، وغيرها من النصوص المتعلقة بحقوق المؤلف، تفترض وجود شخص طبيعي (إنسان) هو من قام بالإبداع. لكن، عندما يقوم نظام ذكاء اصطناعي بتأليف قطعة موسيقية، أو كتابة نص، أو رسم لوحة فنية، فمن هو المؤلف؟ هل هو مبرمج النظام، أم مطور الخوارزمية، أم مالك البيانات التي تدرب عليها الذكاء الاصطناعي، أم أن العمل يعتبر في الملك العام لعدم وجود مؤلف بشري؟ إن غياب إجابة واضحة على هذا التساؤل يعيق تطبيق الحماية القانونية التقليدية.<br />علاوة على ذلك، يثير الذكاء الاصطناعي تساؤلات حول أصالة المصنف. فوفقًا للمفاهيم التقليدية، يجب أن يكون المصنف أصيلًا، أي نابعًا من جهد فكري وإبداعي بشري. فهل يمكن اعتبار العمل الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي، حتى لو كان فريدًا ومبتكرًا، أصيلًا بالمعنى القانوني؟ وماذا عن الأعمال المشتقة التي قد ينتجها الذكاء الاصطناعي استنادًا إلى أعمال محمية بحقوق ملكية فكرية؟<br />تتفاقم هذه التحديات مع ظهور تقنيات مثل "التعلم العميق" و"الشبكات التوليدية التنافسية" (GANs)، التي تُمكّن الذكاء الاصطناعي من إنتاج أعمال إبداعية عالية الجودة، قد يصعب تمييزها عن الأعمال البشرية. هنا، تبرز الحاجة إلى إيجاد حلول تشريعية جديدة أو تعديل القوانين القائمة، بما في ذلك قانون حماية حق المؤلف العراقي رقم (3) لسنة 2004، ليشمل هذه الأنماط الجديدة من الإبداع.<br />قد تتجه الحلول نحو منح نوع من الحقوق الشبيهة بحقوق الملكية الفكرية لمنتجات الذكاء الاصطناعي، أو اعتبار مبرمج النظام أو مالكه مؤلفًا اعتباريًا. ويمكن النظر في تعديل المادة (205) من القانون المدني العراقي التي تتناول المصنفات الفنية والأدبية، لتشمل الأعمال الناتجة عن الذكاء الاصطناعي، أو إضافة فقرات تحدد طبيعة الحقوق المترتبة عليها.<br />في الختام، يمثل عصر الذكاء الاصطناعي فرصة لإعادة تقييم وتطوير قوانين الملكية الفكرية لتكون أكثر مرونة وشمولية. إن التكيف مع هذه التحديات سيضمن حماية الابتكار والإبداع، سواء كان مصدره بشريًا أو من خلال آلة، بما يحقق التوازن بين مصالح المبدعين والمصلحة العامة، ويدفع عجلة التقدم في العراق والعالم.<br /><br /><br />جامعة المستقبل الاولى على الجامعات الحكومية والاهلية في العراق