عندما تمر الشعوب بتجارب قاسية من حروب، قمع، أو انتهاكات لحقوق الإنسان، لا يكفي أن يتوقف العنف فقط. فالألم لا يُمحى بسهولة، والندوب لا تزول بمجرد انتهاء الصراع. هنا يأتي دور العدالة الانتقالية كجسر بين الماضي المؤلم والمستقبل الذي نأمل أن يكون أكثر عدلاً وسلامًا.<br /><br />العدالة الانتقالية هي ببساطة محاولة جادة من الدولة والمجتمع لمعالجة ما حدث، والاعتراف بالضحايا، ومحاسبة من ارتكبوا الانتهاكات، وبناء مؤسسات جديدة تكون أكثر نزاهة وإنصافًا. لكنها ليست مجرد قوانين ومحاكم، بل مسار إنساني يُعيد الثقة، ويعيد الأمل.<br /><br />النظام السياسي الذي يتبنى هذا المسار بصدق – لا لمجرد التجميل السياسي – يُعطي الناس شعورًا بأن أصواتهم مسموعة، وأن كرامتهم محترمة، وأن العدالة ليست بعيدة المنال. لجان الحقيقة مثلًا، قد لا تعيد ما فُقد، لكنها تُعيد رواية القصة من وجهة نظر الضحايا، وتُعيد لهم إنسانيتهم. أما تعويض المتضررين، فهو ليس فقط دعمًا ماديًا، بل اعترافًا رسميًا بأنهم لم يُنسوا.<br /><br />أيضًا، حين يتم إصلاح مؤسسات الشرطة والقضاء، تصبح الدولة أكثر إنصافًا، ويشعر الناس بالأمان، ويبدأون في الإيمان بأن الغد قد يكون أفضل. وهذا هو جوهر التنمية المستدامة: أن يعيش الجميع، دون استثناء، في مجتمع يضمن لهم العدالة، ويمنحهم فرصًا متساوية.<br /><br />السلام الحقيقي لا يُبنى باتفاقيات سياسية فقط، بل على أساس من الاعتراف، والمصالحة، والكرامة. والنظام السياسي الذي يمتلك الشجاعة ليواجه ماضيه، هو وحده القادر على قيادة شعبه نحو مستقبل أفضل، حيث تكون العدالة بداية جديدة، لا مجرد نهاية لصراع<br /><br />الدكتور اسعد غالي <br />كلية القانون - جامعة المستقبل <br /><br />جامعة المستقبل الاولى على الجامعات الحكومية والاهلية في العراق