• الرئيسية
  • الأخبار
  • حول
    • كلمة العميد
    • مجلس الكلية
    • الهيكل التنظيمي
  • الصور
  • المكتبة
  • النشاطات
    • النشاطات
    • المقالات
    • الجوائز
    • براءات الاختراع
    • الورش
    • المؤتمرات
  • الاعلانات
  • الكادر
  • البرنامج الأكاديمي
  • مشاريع التخرج
  • المحاضرات
  • تواصل معنا
default image
default image

مقالة للأستاذ الدكتور فاضل جواد آل طعمة بعنوان ‏" مسيرة الأربعين – دروس وعبر "

16/08/2025
  مشاركة :          
  757

تمثل زيارة الاربعين تظاهرة انسانية ضخمة تجمع الملايين من مختلف الجنسيات والمذاهب والقوميات والديانات ‏لتجسد قيم التضحية والايثار والتعاون ونبذ الخلافات والتعايش السلمي والتكافل الاجتماعي بين الشعوب كما تساهم في ‏تعزيز الروابط الاجتماعية وتقوية اواصر الاخوة بين المسلمين وتعزيز قيم المحبة والرحمة ونشر ثقافة السلام ‏والتسامح واحياء القيم الاخلاقية والاسلامية ووحدة المسلمين اضافة الى انها توعية دينية وثقافية. وباختصار ان زيارة ‏الاربعين ليست مجرد شُعيرة دينية , بل هي تظاهرة انسانية عظيمة تجسد كل قيم الخير والمحبة ونبذ الظلم والفساد ‏والحرمان والفُرقة مما يجعلها مناسبة مهمة للمسلمين وغير المسلمين.‏ قال كاتب بريطاني ينشر في صحيفة الاندبندنت البريطانية‎ ‎واسعة الانتشار (إذا أردت أن تتعرف على الإسلام الحقيقي ‏فعليك بزيارة الأربعين فإنها مهرجان المثل العليا والإنسانية التي جاء بها نبي الإسلام محمد (ص) خلافا لما يقوم به ‏التكفيريين الذين يمثلون أولئك الذين قتلوا الحسين يوم عاشوراء). وقال الرئيس الصيني ماوتسي تونغ مؤسس ‏جمهورية الصين الشعبية عام 1949 والذي كان سياسيا وثوريا ومنظرا مخاطبا أحد قادة الزعماء العرب (عندكم ‏تجربة ثورية وانسانية فذة قائدها الحسين بن علي وتأتون الينا لتأخذوا التجارب)! وقال الكالتب الفرنسي فكتور هيجو ‏‏(اصبحت مباديء الثورة الحسينية منهاجا لكل ثائر يريد ان ينتزع حقه من ظالميه). ولقد اختصر الزعيم الهندي ‏غاندي كل ذلك بقوله (لقد علمني الحسين كيف أكون مظلوما لأنتصر).‏ ‏ بالرغم من الأوضاع الأمنية غير المستقرة والمؤامرات الدولية التي تحاك هنا وهناك وانتهاكات حقوق الإنسان في ‏غزة وغيرها والتهديدات المستمرة لضرب المسلمين , الا أن النهضة الحسينية تستمرلأعلاء كلمة الحق ودحر الظلم ‏والعدوان وهذه الجموع المليونية لمسيرة الأربعين قد خرجت تأييدا لمشروع الحسين (ع) ونهضته حيث شدت رحالها ‏منذ بداية شهر صفر لعام 1447 هجــ تجاه قلعة الأحرار وقبلة الثوار (كربلاء المقدسة) في أكبر وأعظم وأرقى تجمع ‏بشري تشهده الإنسانية. وقد يتساءل سائل ما السبب في ذلك ولماذا هذه الجموع المليونية زحفا ومشيا على الأقدام ‏وأرقامها تتصاعد عاما بعد عام بحيث حيرت الأعداء قبل الأصدقاء ؟ وماهي الاسس والأسباب لاستدامة احياء ذكرى ‏عاشوراء وزيارة الاربعين وتطورها وماهي مراحل الثورة الحسينية منذ نشأتها وحتى اليوم؟ ‏ يقول الباحث العراقي ومدير المركز الاعلامي في واشنطن نزار حيدر أن هناك بُعدان أَساسيَّان وراء هذا الإِحياء ‏المُستدام والعظيم لذِّكرى الأربعين وعلى مدارِ القرُون: الأَوَّل غيبي والثَّاني إِنساني. ‏ فأَمَّا البعد الغيبي فهو الذي يتجلَّى في إِحياءها ، كونها من أَعظم مصاديق قوله تعالى (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ ‏فِي الْقُرْبَىٰ). كذلك، هو من آثار الحرارة التي جعلها الله تعالى في قلوبِ المُؤمنين، فعن جعفر بن محمَّد (ع) [نظرَ النبيُّ ‏‏(ص) إِلى الحُسين وهو مُقبِلٌ، فأَجلسهُ في حِجرهِ وقال؛ إِنَّ لقتلِ الحُسينِ حرارةٌ في قلوبِ المُؤمنينَ لا تبرد أَبداً، ثمَّ قال؛ ‏بأَبي قتيلَ كلَّ عَبرةٍ، قيلَ؛ وما قتيلُ كلَّ عبرةٍ يا بنَ رسولِ الله؟! قال؛ لا يذكرهُ مُؤمنٌ إِلَّا بكى].‏ ‏ لقد بُشَّرَ الحُسين (ع) بهذا البُعد الذي عدَّهُ نوعاً من أَنواعِ الكراماتِ الإِلهيَّة للذِّكرى، فعندما ودَّع (ع) عيالهُ في المرَّةِ ‏الأَخيرة قبلَ مقتلهِ أَمرهُم بالصَّبرِ ثمَّ قال (وَيُعوِّضَكُم عن هذهِ البَليَّةِ بأَنواعِ النِّعَمِ والكَرامَةِ). كما أَنَّ زَينب (ع) بشَّرت ‏بها مرَّتَين؛ الأُولى في مجلسِ إِبن الطُّلقاء يَزيد عندما تحدَّتهُ في خُطبتِها العلويَّة بقولِها (فوَالله لا تمحُو ذِكرنا) والقَسَمُ ‏دليلُ الثِّقة المُطلقة حدِّ اليقين بالله تعالى وبالنَّفس وبالرِّسالة وبالقضيَّة. كذلك قولُها للإِمام السجَّاد (ع) تُبشِّرَهُ (فوالله إِنَّ ‏ذلكَ لعهدٍ من رسولِ الله (ص) إِلى جدِّكَ وأَبيكَ وعمِّكَ، ولقد أَخذَ الله ميثاقَ أُناسٍ من هذهِ الأُمَّة لا تعرفهُم فراعنةُ هذهِ ‏الأَرض، وهُم معروفُونَ في أَهلِ السَّماواتِ أَنَّهم يجمعُونَ هذهِ الأَعضاء المُتفرِّقة فيوارونَها وهذهِ الجسُوم المُضرَّجة ‏وينصبُون لهذا الطفِّ علماً لقبرِ أَبيكَ لا يُدرَسُ أَثرهُ ولا يعفُو رسمهُ على كرورِ اللَّيالي والأَيَّام وليجتهِدنَّ أَئِمَّةَ الكُفرِ ‏وأَشياع الضَّلالة في مَحْوهِ وتطميسهِ فلا يزدادُ أَثرهُ إِلَّا ظهُوراً وأَمرهُ إِلَّا عُلُوّاً).‏ ‏ أَمَّا البُعدُ الثَّاني فهو الإِنساني والذي يُحرِّض غير المُؤمنينَ بشتَّى خلفيَّاتهم على التَّفاعُل مع الذِّكرى بشكلٍ من ‏الأَشكال، فالإِنسانُ ينزعُ إِلى إِحترامِ التَّضحيات والبطُولات التي يدوِّنها التَّاريخ بغضِّ النَّظر عن خلفيَّة المُضحِّي، ‏خاصَّةً إِذا تركت أَثرها الوِجداني والفِكري على البشريَّة جمعاء كما هوَ حالُ عاشوراء، ولذلكَ نُلاحظ أَنَّ ما كتبهُ ‏الآخرون عن عاشوراء وقضاياها لم يكتبُوا مثلها عن قضايا تخصَّهُم مُباشرةً سواء في الدِّينِ أَو العقيدةِ، وكلُّ ذلكَ من ‏مُنطلقٍ إِنسانيٍّ واضحٍ وليسَ بالضَّرورةِ غيبيٌّ.‏ ‏ وباختصار يمكن القول ان السبب وراء كل ذلك هو أن الحسين (ع) قد قدم التضحيات وبكل ما يملك من أجل الحفاظ ‏على بيضة الاسلام المحمدي الوجود والحسيني البقاء , لذلك ستبقى كربلاء قبلة لعشاق الحرية والكرامة وسيبقى الحسين ‏‏(ع) سيدا للأحرار والثواروعَبرة وعًبرة (بكسر العين). ولو تتبعنا مراحل الثورة الحسينية بكل أبعادها تبين أنها تنقسم ‏الى ثلاثة مراحل رئيسة:‏ المرحلة الاولى:‏ ‏ تبتدىء هذه المرحلة بمغادرة الإمام الحسين (ع) مدينة جده رسول الله (ص) عام 60 هجـ متوجها إلى مكة المكرمة ‏ولم يكن مطلقاً يفكر في اتخاذها مستقراً لإقامته ، انما أراد أن يتخذها محطة يتوقف فيها مدة من الزمن، ثم يواصل ‏بعدها المسير إلى العراق، وحين وصل (ع) إلى مكة وأقام إلى جوار بيت الله الحرام ، زاره كثير من الصحابة ‏والتابعين وطلبوا منه الإقامة في هذه المدينة‎.‎‏ وخلال إقامته في مدينة مكة لم تنقطع عنه وفود أهل الكوفة وهي تدعوه ‏إلى القدوم إلى العراق، ولم يكن الإمام راغباً في البقاء في مدينة مكة فهو يعرف أن بيئتها‎ ‎غير ملائمة لاتخاذها مكاناً ‏لثورته ضد الحكم الأموي لأن أكثر الموجودين فيها لم يكن ولائهم مع‎ ‎الإمام الحسين‎ ‎وفيهم من يميل إلى الأمويين، وقد ‏أثبتت الأيام فيما بعد دقة نظر‎ ‎الإمام الحسـين‎ ‎في هذا الأمر، لأنه يعرف نوايا الأمويين وخططهم لقتله وقد أعدوا العدة ‏لذلك، وجعلوا توقيتها في موسم الحج. ‏ ‏ لقد خاف الإمام الحسين (ع) على انتهاك بيت الله الحرام الذي من دخله كان آمناً، فإن بني أمية كانوا لا يرون له ‏حرمة، فقد عهد يزيد إلى عمرو بن سعيد الأشدق أن يناجز الإمام الحرب‎ ‎، وإن عجز عن ذلك يقوم اغتياله‎ ‎، وقدم ‏الأشدق في جند مكثّف إلى مكة ، فلما علم الإمام خرج منها ، فلم يعتصم بالبيت الحرام حفظاً على قداسته. وقد كشفت ‏الأيّام عدم تقديس الأمويّين لهذا البيت العظيم ، فقد قذفوه بالمنجنيق ، وأشعلوا فيه النّارعندما حاربوا ابن الزّبير، كما ‏استباحوا المدينة قبل ذلك. ومما دعا الإمام إلى الخروج من مكّة ، رسالة سفيره وابن عمه مسلم بن عقيل ، الّتي تحثّه ‏على السفر إلى العراق ، وقد جاء فيها أنّ جميع أهل الكوفة معه ، وأن عدد المبايعين له يربو على ثمانية عشر ألفاً. هذه ‏بعض الأسباب التي حفّزت الإمام على الخروج إلى العراق.‏ ‏ ولما عزم الإمام على مغادرة الحجاز والتوجّه إلى العراق، أمر بجمع الناس ليلقي عليهم خطابه التاريخي ، وقد ‏اجتمع إليه خلق كثير في المسجد الحرام من الحجاج وأهالي مكة ، فقام خطيباً فيهم ، فاستهل خطابه بقوله:‏ ‏(الحمد لله وما شاء الله ، ولا قوة إلا بالله ، وصلى الله على رسوله ، خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد ‏الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخُيرٌ لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطّعها عُسلان ‏الفلاة بين النواويس وكربلا، فيملأنّ مني أكراشاً جوفاً ، وأجربة سغباً ، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم ، رضا الله رضانا ‏أهل البيت ، نصبر على بلائه ، ويوفينا أجور الصّابرين ، لن تشذّ عن رسول الله (ص) لحمته، بل هي مجموعة له في ‏حضيرة القدس، تقربهم عينه، وينجز بهم وعده، ألا ومن كان فينا باذلاً مهجته ، موطّناً على لقاء الله نفسه ، فليرحل ‏معنا فإني راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى). لا أعرف خطاباً أبلغ ولا أروع من هذا الخطاب، فقد حفل بالدّعوة إلى ‏الحق والاستهانة بالحياة في سبيل الله، وقد جاء فيه النقاط التالية‎:‎ ‏1.‏ إنه نعى نفسه، ورحّب بالموت، واعتبره زينةً للإنسان كالقلادة التي تتزين بها جيد الفتاة، وهذا التشبيه من ‏أروع وأبدع ما جاء في الكلام العربي. ‏ ‏2.‏ إنّه أعرب عن شوقه البالغ إلى أسلافه الطيّبين الذين استشهدوا في سبيل الله ، وقد كان شوقه إليهم كاشتياق ‏يعقوب إلى يوسف حسب ما يقول‎.‎ ‏3.‏ إنه أخبر أنّ الله تعالى قد اختار له الشّهادة الكريمة ، والميتة المشرِّفة ، دفاعاً عن الحقّ ، وذوداً عن الإسلام‎.‎ ‏4.‏ إنه أعلن عن البقعة الطيبة التي يسفك على صعيدها دمه الزاكي ، وهي ما بين النواويس وكربلاء ، فبها تتقطّع ‏أوصاله ، وتتناهب الرماح جسمه الشّريف‎.‎ ‏5.‏ إنه أخبر أن الذئاب الكاسرة من وحوش بني أميّة وأذنابهم لا يقرّ لهم قرار حتى تمتلئ أكراشهم من لحمه ودمه ‏، وهو كناية عن تسلطهم على الأمّة بعد قتله ، فيمعنون في نهب ثروات الأمّة وخيراتها‎.‎ ‏6.‏ وأخبر (ع) أن ما يجري عليه من الخطوب والأهوال أمر لا محيص عنه ، فقد خطّ عليه بالقلم ، وجرى في ‏علم الله ، وليس من الممكن بأيّ حال من الأحوال تبديل أو تغيير ما كتبه الله له.‏ ‏7.‏ أعلن أن الله تعالى قد قرن رضاه برضا أهل البيت ، وقرن طاعته بطاعتهم ، وحقّاً أن يكون ذلك، فهم دعاة دين ‏الله ، والأدلاء على مرضاته ، وتحملوا من الأهوال التي لا توصف في سبيله‎.‎ ‏8.‏ إنه تحدث عن نزعة كريمة من نزعات أهل البيت (ع)، وهي الخلود إلى الصبر، والتسليم لأمر الله على ما ‏يجري عليهم من عظيم المحن والخطوب ، وأن الله تعالى قد أجزل لهم الثواب ووفّاهم بذلك أجور الصابرين‎.‎ ‏9.‏ وأخبر (ع) أنَّ الواقع المشرق لأهل البيت إنما هو امتداد ذاتي لواقع الرّسول الأعظم (ص)، فهم لحمته وفرعه ‏، والفرع لا يختلف عن أصله ، وسوف تُقرّ عين النبيّ (ص) في حضيرة القدس بعترته التي سهرت على أداء ‏رسالته ، وجاهدت كأعظم ما يكون الجهاد في الذَّود عن دينه‎.‎ ‏10.‏ إنّه دعا المسلمين إلى الخوض معه في ساحات الجهاد ، وأن من ينطلق معه فقد بذل مهجته ووطّن نفسه ‏على لقاء الله‎.‎ وهذه النقاط المشرقة في خطابه دلّت على أنّه آيس من الحياة وعازم على الموت ، ومصمّم على التضحية‎.‎‏ ولم يستجب ‏لنداء الإمام أحد من أهالي مكّة ، ولا أحد من الحجاج الذين سمعوا خطابه سوى نفر يسير من المؤمنين. وهذا مما ‏يكشف عن قلة الوعي الديني ، وتخدير المجتمع ، وانحرافه عن الحقّ‎.‎ والشّيء الذي يدعو إلى التساؤل هو أن الإمام (ع) بعد أن أحرم للعمرة المفردة ، وطاف بالبيت ، وسعى وقصّر وطاف ‏طواف النساء ، وأحلّ من إحرامه وجعلها عمرة مفردة ثم غادر مكّة في اليوم الثامن من ذي الحجّة ، وهو اليوم الذي ‏يتأهب فيه الحجاج للخروج إلى عرفه ، فلماذا لم يتمّ حجّه؟ وفيما أحسب ، أن هناك عدة عوامل دعته إلى الخروج من ‏مكّة بهذه السرعة ، وهي‎:‎ ‏١‏‎ ‎ـ أن السلطة قد ضايقته مضايقة شديدة ، حتى اطمأن أنها ستفتح معه باب الحرب أو تغتاله وهو مشغول في أداء ‏مناسك الحج ، وتستحلّ بذلك حرمة الحجّ ، كما تضيع أهدافه المقدَّسة لتحرير الأمّة تحريراً كاملاً من الذلّ والعبوديّة‎.‎ ‏٢‏‎ ‎ـ أنّه إذا لم تناجزه السّلطة أيام مناسك الحجّ ، فإنها حتماً ستناجزه الحرب بعدها ، فيصبح في مكّة إما مقاتلاً أو مقتولاً ‏، وفي كلا الأمرين هو سفك للدّماء في البيت الحرام وفي الشهر الحرام ، لذلك غادر مكّة حفاظاً على المقدّسات ‏الإسلامية‎.‎ ‏٣‏‎ ‎ـ أن خروجه في ذلك الوقت الحسّاس كان من أهم الوسائل الإعلامية ضدّ السلطة في ذلك العصر، فإنّ حجاج بيت الله ‏الحرام قد حملوا إلى أقطارهم نبأ خروج الإمام في هذا الوقت من مكّة وهو غضبان على الحكم الأموي ، وأنه قد أعلن ‏الثّورة على يزيد ، ولم يبق في مكّة صيانة للبيت الحرام من أن ينتهك على أيدي الأمويين. ‏ ‏ وقد فوت الإمام هذه الفرصة عليهم بخروجه قبل وقت التنفيذ في الثامن من ذي الحجة سنة (60 هـجـ) بالرغم من ‏معارضة عدد كبير من الصحابة والتابعين وبني هاشم لهذا الخروج ، ويبدو أن الإمام قد حسم أمره واتخذ قراره ‏بالرحيل إلى العراق حيث المكان الموعود‎.‎‏ لقد خرج الحسين (ع) وتحاشى إراقة الدماء في الكعبة احتراما لبيت الله ‏الحرام وأراد الحسين (ع) ان يوصل رسالة للإنسانية وهو ان يكون الحج الحقيقي في كربلاء لأنه حج لإحياء الدين ‏ولولا زيارة الحسين (ع) يوم الأربعين وغيرها من الأيام لما بقي ذلك النفيرالمتجدد في كل عام ولم يبقى للدين باقية الا ‏دين بني أمية؟ فأدى الحسين (ع) مناسكه في كربلاء فسعى وطاف وابتهل وقصر وضحى وأدى رسالته بتضحيته ‏واستشهاده يوم عاشوراء مع أهل بيته وأصحابه وكان يعلم بأنه سيقتل وستسبى نساءه لأنه قد سمع ذلك من جده ‏المصطفى (ص) وكان (ع) قد بلٌغ أخيه محمد بن الحنفية بذلك. وفي طريقه (ع) إلى كربلاء التق الشاعر الفرزدق ‏‏(المولود في مدينة كاظمة بالكويت عام 19 هجــ والمتوفي عام 110 هجــ ) وقال للحسين (ع) (ان قلوب أهل العراق ‏معك ولكن سيوفهم عليك) فسار متجها نحو كربلاء لتبدأ المرحلة الثانية.‏ ‏ المرحلة الثانية: ‏ ‏ كان الامام (ع) يعلم سلفا بما سيأتي من أحداث لذلك خرج من مكة تجنبا لاراقة الدماء فيها فكرمه الله سبحانه ‏وتعالى وكأن قائلا يوعده ويقول " لقد احترمت بيتي ، فلاجعلن قبرك قبلة للمسلمين". سار الحسين (ع) ووصل إلى ‏أرض كربلاء لتبدأ المرحلة الثانية من الثورة الحسينية وقدم أعظم التضحيات وهو يقول ((ألا وانّي زاحفٌ بهذه الأسرة ‏على قلّة العدد وخذلان النّاصر)). لذلك فأن الله سبحانه وتعالى قد أكرمه وهو أكرم الأكرمين وفعلا فان زائر الحسين ‏‏(ع) عندما يأتي إلى زيارته فكأنه يحج و يطوف بين قبر أبي عبد الله الحسين (ع) وقبر أبا الفضل العباس (ع) وكأنه ‏يؤدي إحدى مناسك الحج وهو الطواف بين الصفا والمروة. ‏ ‏ ان الإمام الحسين (ع) هو أول خطيب في يوم كربلاء حينما دعا براحلته فركبها ونادى بصوت عال يسمعه جُلّهم: ‏‏(أيها الناس، اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما هو حق لكم عليّ، وحتى أعتذر إليكم من قدومي عليكم، فإن قبلتم ‏عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف من أنفسكم كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليّ سبيل، وإن لم تقبلوا مني ‏العذر ولم تعطوا النصف من أنفسكم فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون، ‏إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين)‏‎.‎ ‏ لقد عبر الإمام الحسين (ع) عن أهدافه، بقوله (ع): ((إنِّي‎ ‎لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلَا بَطِراً وَلَا مُفْسِداً وَلَا ظَالِماً، وَإِنَّمَا‎ ‎خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي (ص)، أُرِيدُ‎ ‎أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي‎ ‎وَأَبِي‏ عَلِيِّ ‏بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع)، فَمَنْ قَبِلَنِي بِقَبُولِ‎ ‎الْحَقِّ فَاللَّهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ، وَمَنْ رَدَّ عَلَيَّ هَذَا أَصْبِرُ‎ ‎حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْقَوْمِ ‏بِالْحَقِّ، وَهُوَ خَيْرُ‎ ‎الْحاكِمِينَ‎(‎‏). و قد خطب بأنصاره قائلا: ( ألا ترون إلى الحق لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه، ‏ليرغب المؤمن في لقاء الله، فإني لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ برما). لذلك فان من أهدف ثورة ‏الإمام الحسين (ع) في واقعة ألطف هي (إحياء الإسلام والسنة النبوية , استنهاض المجتمع وكشف حقيقية الأمويين ‏وتآمرهم على الإسلام والمسلمين وإنهاء استبدادهم , إقامة الحق ودحر قوى الظلم وتحقيق العدالة والإصلاح في ‏المجتمع وانتصار الدم على السيف وإحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورفض المساومة مع الجور ‏والرضوخ للظلم والتضحية في سبيل القيم والدفاع عن حمى الإسلام والوطن ومحاربة الفساد والمفسدين).‏ ‏ وقف الحسين (ع) يوم عاشوراء يطرح القيم الرسالية والاسلامية وليضرب أسمى الأمثلة في النبل والسمو وليرتفع ‏على من خرج لقتاله. وقف الحسين (ع) ينظر الى من جاء بهم الى المعركة وهم بالصميم من آل هاشم وبعض ‏الأصحاب , لقد كان (ع) صريحا حتى مع أصحابه اذ نصحهم بالرجوع الى اوطانهم لكنهم أصروا على التضحية الى ‏أن يقتلوا دونه. لذلك أقدم الحسين (ع) مصرا على تقديم القرابين تلو القرابين من آل هاشم مع ثلة من الأصحاب في ‏سبيل الله. حملهم عن اصرار وعزيمة بان يقدمهم الواحد تلو الاخر للموت والقتال دفاعا عن دينهم وعن مقدساتهم ‏انصياعا لامر الله عزوجل ودفاعا عن الرسالة التي حملها الرسول وقف الحسين (ع) وهو مصر على ان يقدم الضحايا: ‏ يا أبا الطف وازدهى بالضحايا .... من أديم الطفوف روض خضيل ثلة مــن صحابـة وشقــيق ........ ورضــيـع مــطـوق وشــبــــول والشباب الفينان جـف فغاضت ..... نـبعـه حـلــوة ووجــه جـمــيـل وتأمـلت في وجـوه الضـحـايـا ...... وزواكـي الدمــاء منـها تســيل ومشت في شفاهك الغر نجوى ........ نــم عنـها التســبيح والتهليـــل لك عتبى يا رب إن كان يرضيـ ...... ـك فهـذا إلى رضــاك قلـيـــــل هكذا هي الصورة التي رسمها لنا التأريخ عن الحسين (ع) في واقعة الطف. وقف الحسين (ع) قائلا اللهم اني زاحف ‏بهذه الاسرة مع قلة العدد وخذلان الناصر ، وكان (ع) يردد:‏ اني لا أرى الموت الا سعادة والحياة ... مع هؤلاء الظالمين الا شقاء وبرما وقف الحسين يوم عاشوراء (ع) قائلا: اللهم ان كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى ليضرب بذلك أسمى الأمثلة في ‏طرح القيم ليكون يوم الطف شاهدا عليها. لذلك فكل مواقف الحسين ليلة عاشوراء ويومها هي معركة قيم وكرامة ‏ومباديء دفاعا عن المثل العليا وهذا الفتح الذي حققه الحسين (ع) يوم الطف وهذا الدوي الذي نراه اليوم في الطرقات ‏المؤدية الى كربلاء لزيارة الاربعين ومن كل بقاع الارض هو الولاء للحسين (ع). ان موقفك يوم الطف قد ترك لك ‏عرشا في نفوس المسلمين , لقد تركت ضريحا في قلوب محبيك تحملك في كل بقاع الدنيا وهي في منتهى الاجلال ‏والاكبار. ان الحسين (ع) مثل أعلى لكل انسان ومواطن شريف وهو المثل الوضاء الذي ادخره رسول الله (ص) ‏كوكبا ينقدح في فلكه ليضيء للامة طريقا للعزة والكرامة والاصلاح ومقارعة الظلم والفساد وقد تحقق. ‏ إن كان دين محمد لم يستقم ........ إلا بقتلي فيا سيوف خذيني بعد كل معاني القيم والمُثل العليا التي طرحها الحسين (ع) يوم عاشوراء وهي حُجة عليهم ولم تأخذ أثرها معهم, انتقل ‏ابا الشهداء يوم عاشوراء ليطرح منهج الدم وحمل الدماء الزاكيات علي يديه الكريمتين وقدم القرابين في سبيل الله , ‏وأدى هذا المنهج الى استشهاده وأهل بيته وأصحابه. لقد ربح الحسين معركة الدم والقيم الانسانية. ‏ وما ضاع هدرا دم الناهضين ... اذا طاح حكم به بائد وللمجد في جبهات السنين ...... على كل افق دم شاهد المرحلة الثالثة:‏ لقد بدأت المرحلة الثالثة من مراحل الثورة الحسينية بعد مصرع الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه. نعم ابا الشهداء أن ‏استشهادك يوم الطف قد صرع اعداءك امامك وان من يظن ان قتل الحسين سيخمُد صوته , كلا والف كلا ان من قتل ‏الحسين هو القتيل وهو الذي انخمد صوته: ‏ ‏ فرأيتك العملاق جيدا مُتلعا .... ينعى على الاقزام تُهطع جيدا ‏ ‏ ورأيتك الفكر الحَصيف يَشق ... استار الغيوب ويستشفُ بعيدا ‏ ورأيتك النفسَ الكبيرة لم تكن ..... حتى على من قاتلوك حقودا ‏ فعلمت أنك نائل ما تبتغي ...... حتما وان يك شلوك المقدودا ‏ ظنوا بأن قَتلَ الحسين يَزيدهم ....... لكنما قتل الحسين يزيدا يا أبا الشهداء أطل وانظر الى الرؤوس المقطعة التي دخلت مجلس يزيد في الشام والسبايا من آل محمد أين مكانها الآن ‏من نفوس المسلمين ومن مشاعرهم. وانظر الى تلك المرأة التي وقفت معك يوم عاشوراء تخاطب الجبروت والطغيان ‏لقد وقفت عقيلة بني هاشم الحوراء زينب بوجه يزيد بعد دخولها قصره وهي مبجله وان هذا السّيلُ المليونيُّ الجارف ‏لمسيرة الأربعين وبُعدُها الغيبي، هو أحدُ أعظم مصاديق قول عقيلة الطالبيين الحوراء زينب الذي تحدّثت به أمام يزيد ‏بن معاوية في مجلسه بالشام (( فكِدْ كيْدكْ واسعَ سعيَك وناصِبْ جَهدَك فو الله لا تمحو ذِكرَنا ولا تميتُ وحيَنا ولا تُدركُ ‏أمدَنا ولا ترْحضُ عنك عارَها وهلْ رأيُك إلا فَندْ وأيامُك إلا عَددْ وجمعُك إلا بَدَدْ )). ‏ اذ كان طاغي العصر يفخر ضاحكا ......ويضنها مكسورة ومولوله ‏ ‏ شهرت سيوف كلامها في وجهه ........ وقفت بكل شجاعة لتجادله ‏ بطشت به والقصر مال بعرشه ........... في خطبة لكنها كالزلزلة ‏ قد حاول استفزاز بعض دموعها ..... لقتيلها واختار بعض الاسئلة ‏ قولي وكيف رأيت ذبح كبيركم ..... قالت جميلا .. قولها ما أجمله ‏ إن تأريخ العالم وتأريخ كربلاء ومنذ يوم عاشوراء عام (61 هجــ) لم ولن يشهد مثيلا للمسيرة المليونية لأربعينية ‏سيد الشهداء (ع) بحيث لا يعلم أعدادهم إلا الله سبحانه وتعالى (ع) وهذا هو البعد الغيبي لرسالة عاشوراء ومسيرة ‏الاربعين. إن سبب ذلك التصاعد الكبير في أعداد الزائرين هو أنها تعد من المستحبات المؤكدة‎ ‎كما ورد عن الإمام ‏الحسن العسكري (ع) وهي من علامات المؤمن الخمسة. ويعيش فيها الزائر في أجواء فيها الدموع والأحزان على ‏مصاب أهل البيت (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) وهي مظهر من مظاهر مودة ذوي القربى اذ ينفعل ‏الإنسان وينغمر بمآسيهم أكثر من أي وقت آخر , ولأنها تحمل رسالة السلام للإنسانية وللإصلاح في امة محمد (ص) , ‏ولو أن البشريّة في كافة الشعوب والأمم قد انتبهت إلى معاني عاشوراء ومسيرة الأربعين وجوهر رسالتها ، لعثرت ‏على الحلّ الجذري الذي يحقن دماء الملسمين ويحترم حقوق الإنسان ويحارب الفقر والقضاء على الفساد والظلم ويشيع ‏السلم والسلام وهي دعوة للصلاح والإصلاح في المجتمع لأن الحسين (ع) لم يخرج الا لطلب الاصلاح في أمة جده ‏ولتكون مبادئ ثورة الحسين (ع) شعارا للتلاحم والمحبة والمودة والموآخاة ونبذ الفرقة بين الأمم والشعوب على ‏اختلاف مذاهبها وأديانها وقومياتها. ‏ ‏ ومنذ واقعة ألطف عام 61 هجـ صارت كربلاء علامة مضيئة ونقطة تحول مهمة للمسلمين وللإنسانية ونقطة ‏انطلاق للكثير من الثورات والانتفاضات ضد الفساد والظلم والطغيان ومن أجل عزة الإنسان وكرامته وأنه (ع) القائل ‏‏((ألا وإنّ الدّعي بن الدّعي قد ركز بين اثنتين بين السلّة والذلّة وهيهات منّا الذّلة يأبى الله لنا ذلك، ورسوله ‏والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهُرت، وأنوفٌ حميّة، ونفوسٌ أبيّة من أن نؤُثر طاعة اللّئام، على مصارعِ الكرام)) , لذلك ‏وقف الكثيرين من الطغاة لمحاربتها منذ يوم عاشوراء مرورا بالأمويين والعباسيين وحتى اليوم. ‏ ان أول من هدٌم قبر الإمام الحسين (ع) هو المنصور الدوانيقي وجاء من بعده هارون الرشيد خامس الخلفاء سنة ‏‏193هـ فهدم القبر وما حوله من البيوت وحرث الأرض وقطع شجرة السدرة (يعود اسم باب السدرة وهي أحد الأبواب ‏الشمالية للعتبة الحسينية المقدسة إلى هذه السدرة) التي كانت قرب القبر الشريف يستظل بها الزائرين من شدة حرارة ‏الشمس فضًيق الخناق على محبي الحسين (ع) والثالث كان المتوكل العباسي وهو عاشر خلفاء بني العباس. فحينما بلغ ‏المتوكل أن أهل السواد والكوفة يجتمعون بأرض نينوى كربلاء لزيارة قبر الحسين (ع)، فيصير إلى قبره منهم خلق ‏كثير وصار لهم سوق كبير وأن زيارته لم تقتصر على الشيعة فقط بل امتدت الى بقية طوائف المسلمين وان محبته قد ‏تغلغلت في قلوبهم وان ضريبة الأموال التي وضعها على الزائرين ومن ثم قطع الأيادي والرؤوس لن تنفع في منع ‏زيارته ، فكلف قائداً في جمع كثير من جنده ، وأمر منادياً ينادي ببراءة الذمة ممّن زار الحسين (ع)، ثم أمر بنبش القبر ‏الشريف وذلك في سنة 237 هجـ وهدمه وحرثه باستعمال الثيران (وهي من الحيوانات الغبية) والتي رفضت عن ‏حرث مساحة الأرض المحيطة بالقبر الشريف لسيد الشهداء (ع) ومن ثم نثر البذور عليه لغرض زراعتها وبعدها ‏أفاض عليها الماء لغرض السقي ولكن الماء وقف حائرا واستدار حول القبر وعلى بعد 12 مترا عنه (لذلك سميت ‏المنطقة بالحائر الحسيني لحد الآن , كما ورد في كتب التأريخ ومنها الكامل لأبن الأثير) وكان الذي نفذ كل هذه الإعمال ‏هو رجل من أصحاب المتوكل العباسي اسمه ديزج وكان يهوديا فكان يؤتى إليه بزائر قبر الحسين (ع) من قبل المسالح ‏‏(المفارز) المنتشرة على سائر الطرق فيقتله بأمر منه وانقطع الناسُ عن الزيارة، وعمَد على تتبُّع آل أبي طالب ‏والشيعة‎.‎‏ لذلك كان الزائرون عندما يصلون إلى موضع القبر الشريف خُفية فلا يجدون له أثرا وتأخذهم الحيرة في ‏أمرهم الى حين عودتهم !! ولذلك كانوا يقومون بالتحري على قبر الحسين (ع) من خلال قبضات من تربة أرض ‏كربلاء يشمون من خلالها رائحة المسك وعطر الشهادة وهي ميزة من التربة التي ضمت جسد الحسين (ع) إلى أن تم ‏العثور على القبر الشريف ووقف الأعرابي من بين جموع الزائرين مناديا:‏ أرادوا ليُخفوا قبرهُ عن مُحبه .......... فطيبُ تُراب القبر دلٌ على القبر وتوالت المؤامرات على كربلاء ومنهج أهل البيت على مر التأريخ والى الآن ومنها مانفذه بعض السياسيين الذين ‏حكموا العراق خلال القرن الماضي ومنهم رئيس وزراء العراق الأسبق ياسين الهاشمي الذي هدم (مأذنة العبد) وهي ‏المنارة الثالثة القديمة الأثرية والمميزة لحرم الامام الحسين (ع) والتي كانت تزين الحرم الحسيني الشريف وموقعها ‏علي يمين باب الشهداء بحجة أنها مائلة وآيلة للسقوط وتشكل خطرا وكانت من أعظم وأفخم المآذن الموجودة في ‏العتبات المقدسة في العراق وكانت هي الثانية بعد ملوية المتوكل في سامراء ويعود تأريخها الى 767 هجــ أي عام ‏‏1365 م. وكانت آية في الفن المعماري ونقوشها البديعة المكسوة بالفسيفساء والقاشاني الآثاري البديع الصنع حيث ‏ذكرها العديد من الرحالة والمستشرقين عند زيارتهم كربلاء . وبعد هدم هذه المنارة الاثرية حاول الهاشمي هدم ‏منارتين من صحن الجوادين عليهم السلام مخاطبا اياهما من على جسر الأئمة في الأعظمية لماذا أربع منارات؟ لكن ‏شاء الله لم ينجح في تنفيذ خططه الطائفية وتم الاطاحة به عن طريق انقلاب بكر صدقي عام 1936م بعد شهر واحد ‏من هدم منارة الحسين (ع) وفراره الى سوريا حيث توفي هناك بعد شهرين من فراره. اضافة الى ذلك ما لاحظناه في ‏السنين الأخيرة أيام حكم النظام البائد وجريمة الاعتداء على مرقدي الامام الحسين وأخيه العباس عليهما السلام خلال ‏الانتفاضة الشعبانية حيث مورست أفظع أساليب الاجرام في كربلاء لأنها تحمل سفرا خالدا من التضحية والبطولة ‏والفداء منذ هطلت على أرضها سحابة الدم النبوي الطاهر وما جرى عليها من التعدي على حرمة العتبتين المقدستين ‏وآثارها شاخصة الى يومنا هذا. لقد كانت كلّ هذه الأعمال لغرض تفريق الناس عن مهد الدفء والشوق الى الحسين، ‏ولكن لم يتمّ لهم ما قدّروه، بل ازداد الناس شوقاً إليه، فأصبحت كربلاء خندقاً للمقاومة وقبلة للحرية والأحرار ولأهل ‏الحقيقة والولاء فالحسين باق والطغاة سائرون الى مزبلة التأريخ تلاحقهم لعنات محبي أهل البيت الى قيام يوم الدين.‏ لقد وقعت حادثة تاريخية مهمة أدت إلى انقلاب السحر على الساحر وهو أن أبوان ناصبيان كانا يبغضان أهل البيت ‏‏(ع) ولم يُرزقا بولد. فنذرت المرأة إذا حملت ووُلد لها صبي ستبعثه لقتل زوار الحسين (ع) القادمين من أهل جبل ‏عامل اللبنانية الذين كانوا يعبرون الموصل للذهاب إلى كربلاء. وبعد فترة رُزق الأبوان بولد ذكر (أصبح فيما بعد من ‏أكبر شعراء أهل البيت (ع) وهو أبو الحسن جمال الدين علي بن عبد العزيز الخليعي الموصلي الحلي. ولقد أخلص في ‏الولاء لأهل البيت (ع) وتوفي في الحلة عام 580 هجـ ودفن فيها) وقامت أمه بتربيته على بُغض أهل البيت (ع). ولما ‏نشأ وترعرع في أحضانها أرادت الأم أن تفي بوعدها, فعًرفت ابنها البغض والنفور لزوار الحسين (ع) وبعثته إلى ما ‏نذرت اليه وهو قطع الطريق على زوار الحسين (ع) وقتلهم. وبالفعل أخذ حربته وذهب الولد ليفي بنذر أمه وتوجه إلى ‏الطريق المؤدية إلى كربلاء وبدأ ينتظر قدوم قوافل الزوار فانتظر طويلا وأعياه التعب فشاءت إرادة الله سبحانه وتعالى ‏أن يكون درسا للظالمين فانقطع الزائرين فترة من الوقت من التوجه لكربلاء , فنام الفتى في طريق القوافل , وبعد نومه ‏مرت القوافل من جانبه ولكنه لم ينتبه من نومه وتطاير الغبار من أقدامهم وسقط على وجهه ولحيته وبدنه , ورأى في ‏منامه رؤيا وكأنه في يوم القيامة وجاءوا به للحساب وأمر به إلى النار لأنه من مبغضي أهل البيت (ع) ولكن الحسين ‏‏(ع) حال دون دخوله الى النار ولم يكن الشاعر الخليعي متوقعا ذلك ، إذ رأى أن النار لا تحرقه بسبب سقوط غبار ‏أقدام زوار الحسين على بدنه لتكون حاجزا من احتراقه بالنار !! استيقظ الفتى مرعوبا من نومه ورأى جموع الزائرين ‏متوجهين صوب كربلاء فجمعهم من حوله ونادى بأعلى صوته قائلا :‏ إذا شئت النجاة فزر حسينا ............ لكي تلقى الإله قرير العين فان النار لن تمس جسما ............. عليه غبار زوار الحسين‏ ‏ وتحولت زيارة الأربعين المخصوصة إلى مسيرة عالمية ولا يوجد مثلها مسيرة جهادية طوعية منتظمة عبر ‏التاريخ ... وهي مسيرة البيعة وتقوية الولاء وتوكيد الميثاق وتجديد العهد بالسير على نهج الامام الحسين (ع) وهي ‏مسيرة المقاومة لمشروع أعداء الإسلام والأفكار الناصبية الهدامة... مسيرة تطالب بالقضاء على الفساد والفاسدين ‏ومحاربة الظلم والظالمين .. مسيرة المطالبة بالإصلاح الشامل لأن الحسين (ع) ضحى بكل شيء من اجل الدين وعزة ‏الإنسان وكرامته ... مسيرة الوحدة الوطنية والإسلامية والتقريب بين مختلف مذاهبها والأديان الأخرى شعاراتها ‏واضحة تتعلق بالولاء الحسيني ويعجز عن تنظيمها دولا كبرى وأحزابها .. ويشارك بها الملايين من داخل العراق ‏وخارجه ومن كل الطبقات الاجتماعية ففيهم الغني والفقير , العالم والجاهل , الأطفال والكهول ومن الجنسين تركوا ‏مصالحهم وراحتهم وبيوتهم وأوطانهم ووظائفهم ودراستهم وتجارتهم وأعمالهم وجاءوا إلى خدمة الحسين (ع) ومن ‏دون فرقة أو طبقية أو تمييز أو عنصرية فيما بينهم وأغلبهم يأتون مشيا على الأقدام لمئات الكيلومترات وكثيرا من ‏المعوقين يأتون زحفا قاصدين كعبة الأحرار وقبلة الثوار كربلاء لتجديد العهد والبيعة مع الحسين (ع). ‏ تمشي اليك توسلا خطواتي .............. واعدها اذ أنها حسناتي ‏ وودت لو أن الطريق لكربلاء ......من مولدي سيرا لحين مماتي ‏ لأنادي في يوم الحساب تفاخرا ... أفنيت في حب الحسين حياتي ‏ لذلك فان الدروس التي أراد الحسين (ع) أن يعلمنا بها يوم جاد بنفسه وبعياله وأصحابه والجود بالنفس أسمى غاية ‏الجود وهي مجموعة من القيم والمفاهيم والمعتقدات تجلت في كلماته (ع) وكلمات أصحابه وولده ، وفي سلوكهم وهي ‏أساس البناء العقائدي والفكري الذي كان يتحلى به الإمام الحسين (ع) وشهداء كربلاء. وهذه الثقافة السامية التي ‏تجسدت في صنّاع ملحمة عاشوراء ودروس يوم الأربعين يجب أن تتواصل لدى السائرين على خط الإمام الحسين ‏‏(ع). لقد بقي الحسين صرحا خالدا وصوتا مدويا ..... انه ضمير الإنسانية التي تعرضت للظلم والاضطهاد ... انه ‏صوت المعذبين وفكر لا يموت .... هذا هو سر خلوده .... لذلك فان للحسين (ع) ضريح في قلب كل مسلم غيور ... ‏ولقد أصبح للحسين في كل بلد مأتما. ‏ ‏ إن مسيرة الأربعين تبين إن الحياة عطاءٌ وكرمٌ وسخاءٌ وبذل وعطاء ومن دون مقابل ويتمثل ذلك بخدام الحسين ‏‏(ع) على طول الطرق المؤدية إلى كربلاء حيث جسدت كل معاني الإنسانية , إنها جامعة كبرى يتعلم فيها الزائر ‏والخادم على حد سواء دروس البذل والتفاني والإخلاص والعطاء والوطنية وإحقاق الحق ومحاربة الظلم والفساد. لذلك ‏فان الأهداف المعلنة لنهضة الإمام حسين (ع) قد تحققت تماماً وفي المقابل لم يبق للإسلام الأموي‎ ‎أي ذكر إلا قليل من ‏الهمج الرعاع من القتلة والمجرمين من أصحاب الأفكار الهدامة التي لا تمت إلى الإسلام بأي صلة من الذين باعوا ‏ضمائرهم وشرفهم مقابل مال قليل‎.‎‏ ومن يريد أن يعرف من المنتصر في منازلة عاشوراء فليلق بنظرة إلى كربلاء ‏والى ضريح الحسين (ع) والى الجموع المليونية في مسيرة يوم الأربعين من عشاق الحرية والإنسانية ومن عشرات ‏الجنسيات ستعرف مَن‎ ‎هو المنتصر .... لقد غلب الدمُ السيف، وغلب المظلومُ الظالم لأن يوم المظلوم على الظالم هو ‏أشد من يوم الظالم على المظلوم ... وسترد مؤامراتهم الى نحورهم وسيُهزم القتلة والمجرمين والفاسدين وستقام دولة ‏الحق والعدل الإلهي بظهور الطلعة البهية للإمام المهدي (عج). لذلك على الجميع أن يأخذوا الدروس والعبر من ثرى ‏ألطف وأن يعلنوها ثورة على الفساد والاستغلال والظلم وأن يتخذوا طريقا في العمل الإصلاحي الجذري والشامل ‏تجسيدا لأهدافه (ع) في تحقيق العدل والحرية وعزة الإنسان وكرامته.<br />جامعة المستقبل <br />الجامعة الاولى في العراق

جامعة المستقبل

مؤسسة تعليمية تابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق

روابط مهمة

وزارة التعليم العالي

اللجنة التوجيهية

المدراء

الأكاديميون

الكادر التدريسي

الطلبة

أنظمة الدراسات

عملية التقييم

الهيكل التنظيمي

القواعد واللوائح

معلومات الخريجين

المواقع البحثية

Scopus

Research Gate

Google Scholar

ORCID

Web Of Science

مركز المساعدة

حول الجامعة

الكليات والأقسام

البوبات الألكترونية

دليل الجامعة

تواصل معنا

جامعة المستقبل - جميع الحقوق محفوظة ©2025