يُعد هرمون الأوكسيتوسين (Oxytocin) من أهم الهرمونات العصبية التي يفرزها الوطاء (Hypothalamus) وتُطلق من الفص الخلفي للغدة النخامية. وقد اكتُشف في البداية لدوره في الولادة وإدرار الحليب، إلا أن الأبحاث الحديثة كشفت عن دوره العميق في تعزيز الروابط الاجتماعية، وتنظيم العواطف، وزيادة الثقة والتعاون بين الأفراد.
يُسهم الأوكسيتوسين في تقوية الترابط الاجتماعي عبر تنظيم نشاط الجهاز العصبي المركزي، والتفاعل مع أنظمة المكافأة العصبية والدوبامين، وتخفيف الاستجابة العصبية للإجهاد
. مقدمة
الترابط الاجتماعي هو من أهم الركائز التي تحافظ على توازن الإنسان النفسي والجسدي. وقد تبيّن أن الأوكسيتوسين هو أحد العوامل الفسيولوجية الأساسية التي تربط الإنسان بمحيطه الاجتماعي والعاطفي.
إفراز الأوكسيتوسين يحدث استجابةً للمحفّزات الاجتماعية الإيجابية مثل اللمس، التقبيل، الاتصال البصري، والمساندة العاطفية، مما يؤدي إلى زيادة الشعور بالأمان والتقارب بين الأفراد.
الآليات الفسيولوجية لعلاقة الأوكسيتوسين بالترابط الاجتماعي
أ. التأثير العصبي المركزي
• الأوكسيتوسين يعمل في الدماغ عبر مستقبلات خاصة (OXTR) تتركز في اللوزة الدماغية (Amygdala)، والقشرة الجبهية الأمامية (Prefrontal Cortex)، والنواة المتكئة (Nucleus Accumbens).
• هذه المناطق مسؤولة عن تنظيم العاطفة، إدراك الثقة، والتفاعل الاجتماعي.
• عند ارتفاع مستوى الأوكسيتوسين، يقلّ نشاط اللوزة الدماغية المرتبطة بالخوف، مما يُسهّل التواصل الاجتماعي ويزيد من الإحساس بالأمان والثقة.
🔹 دراسة (Jurek & Neumann, Cell. Mol. Neurobiol., 2023) أظهرت أن إعطاء الأوكسيتوسين زاد من الترابط العصبي بين اللوزة الدماغية والقشرة الجبهية، ما أدى إلى تحسّن السلوك الاجتماعي.
ب. التفاعل مع نظام المكافأة العصبي
• الأوكسيتوسين ينشّط الدارات العصبية للدوبامين في منطقة Ventral Tegmental Area (VTA) وNucleus Accumbens، ما يخلق إحساسًا بالمكافأة والسعادة عند التفاعل الاجتماعي الإيجابي.
• هذا التفاعل يجعل العلاقات الاجتماعية سلوكًا محفزًا ومُكافئًا عصبيًا، مما يعزز استمراريتها.
🔹 وفقًا لدراسة (Scheele et al., Nature Human Behaviour, 2023)، لوحظ زيادة نشاط نظام المكافأة في الدماغ عند التواصل البصري بين الأزواج بعد إعطاء الأوكسيتوسين الأنفي.
ج. دور الأوكسيتوسين في تنظيم الإجهاد والتوتر
• يعمل الأوكسيتوسين كمضاد فسيولوجي للإجهاد، حيث يثبط نشاط محور HPA (الوطاء–النخامية–الكظرية) ويقلّل إفراز الكورتيزول.
• يؤدي هذا التأثير إلى خفض التوتر العصبي وزيادة الاستقرار العاطفي، مما يسهم في تكوين بيئة نفسية داعمة للعلاقات الاجتماعية.
🔹 دراسة (Uvnäs-Moberg et al., Front. Endocrinol., 2023) أظهرت أن الأوكسيتوسين يقلّل من مؤشرات القلق ويزيد الثقة المتبادلة في المواقف الاجتماعية.
د. التأثير في الذاكرة الاجتماعية والتعرّف
• يساعد الأوكسيتوسين على تحسين الذاكرة الاجتماعية، أي القدرة على تمييز وتذكّر الوجوه المألوفة والتفاعلات السابقة.
• هذه القدرة تُعدّ أساسية للحفاظ على العلاقات الإنسانية المستقرة وطويلة الأمد.
🔹 تجربة (Martins et al., Transl. Psychiatry, 2022) أثبتت أن الأوكسيتوسين يُحسّن القدرة على التعرّف على الوجوه العاطفية لدى الأفراد ذوي صعوبات التواصل الاجتماعي. التطبيقات السريرية والبحثية
• اضطرابات التوحّد: استخدام الأوكسيتوسين الأنفي حسّن التواصل الاجتماعي والسلوك التفاعلي.
• الاكتئاب والقلق الاجتماعي: الأوكسيتوسين يقلّل من الخوف الاجتماعي ويزيد الثقة بالآخرين.
• الترابط الأسري والزوجي: يزيد من الاستجابة الوجدانية ويُحفّز الشعور بالألفة والارتباط.
🔹 مراجعة حديثة (Neumann & Landgraf, Trends Neurosci., 2024) أشارت إلى أن الأوكسيتوسين هدف علاجي واعد لعلاج اضطرابات التفاعل الاجتماعي
الخلاصة
يُعدّ الأوكسيتوسين منظّمًا رئيسيًا للعلاقات الاجتماعية عند الإنسان.
فهو يعزز الثقة، والتعاطف، والتواصل الوجداني عبر تأثيره على مناطق الدماغ المسؤولة عن العاطفة والمكافأة، ويعمل على تخفيف التوتر النفسي مما يُهيّئ بيئة عصبية مناسبة للتفاعل الاجتماعي الإيجابي.
وبذلك، فإن الأوكسيتوسين يمثل جسرًا فسيولوجيًا بين الجسد والعاطفة، وبين الدماغ والسلوك الاجتماعي.
بقلم الدكتوره بان ظاهر ذباح
جامعة المستقبل الاولى على الجامعات الاهلية