تُعد مهنة التمريض حجر الزاوية في أي نظام صحي فعّال، إذ يتجاوز دور الممرض في العصر الحديث مجرد تقديم الرعاية السريرية إلى المشاركة الفاعلة في صنع القرار، والقيادة، والبحث، والتثقيف الصحي. لقد أدت التغيرات الديموغرافية والوبائية والتقدم التكنولوجي إلى تحول جذري في طبيعة عمل الممرض المعاصر، ليصبح مزيجاً متكاملاً من الكفاءة العلمية والممارسة الإنسانية الشاملة.
التوسع في دور الممرض الحديث من مقدم رعاية إلى قائد ومثقف
لم يعد الممرضون يركزون على الجانب البدني للمرض فحسب، بل تبنوا مفهوم الرعاية الشاملة التي تشمل الأبعاد المادية، النفسية، الاجتماعية، والثقافية للمريض وأسرته. وينعكس هذا التحول في الأدوار المهنية التالية:
1. منسق ومُخطط للرعاية (Care Coordinator)
يتولى الممرض دوراً قيادياً في وضع خطط رعاية متكاملة للمريض، خاصة لمرضى الحالات المزمنة أو المعقدة. هذا الدور يتطلب التنسيق الفعّال بين مختلف التخصصات الطبية (الأطباء، الصيادلة، أخصائيو العلاج الطبيعي) لضمان استمرارية الرعاية داخل المنشأة الصحية وخارجها، ويشمل التخطيط لخروج المريض وعودته إلى المجتمع.
2. المثقف الصحي والمدافع (Health Educator and Advocate)
أصبح التثقيف الصحي جزءاً أساسياً من عمل الممرض. فهو يقدم الإرشادات حول كيفية تعديل نمط الحياة (مثل: إنقاص الوزن، الإقلاع عن التدخين، تحوير النظام الغذائي) لـالوقاية من الأمراض وتعزيز الصحة. كما يلعب الممرض دور المُدافع عن حقوق المرضى واحتياجاتهم، ويعمل على تزويدهم وأسرهم بالمعلومات الكافية لاتخاذ قرارات مستنيرة بشأن علاجهم.
3. قائد للجودة وسلامة المريض (Quality and Patient Safety Leader)
الممرض هو خط الدفاع الأول عن سلامة المريض. فبسبب تواجده المستمر والمباشر مع المريض، يقع على عاتقه تطبيق بروتوكولات مكافحة العدوى، ومنع السقوط والإصابات، واستخدام أنظمة دعم القرار السريري لتقليل الأخطاء الطبية. كما يساهم الممرض في الأبحاث التمريضية التي توفر الأدلة اللازمة لدعم وتحسين ممارسات الرعاية.
دمج التكنولوجيا المتطورة مع عصر التمريض الرقمي
شهدت مهنة التمريض ثورة في دمج التقنيات الحديثة التي ساهمت في رفع كفاءة الرعاية ودقتها:
1. السجلات الصحية الإلكترونية (EHRs)
تحل السجلات الصحية الإلكترونية محل المخططات الورقية، مما يتيح للممرض الوصول السريع والآني لبيانات المريض، ويقلل من احتمالية الأخطاء الناتجة عن سوء قراءة الخطوط اليدوية. كما أنظمة التوثيق الإلكتروني تسهل المتابعة وتضمن الامتثال للمعايير الصحية.
2. أنظمة المراقبة المتقدمة والذكاء الاصطناعي (AI)
توفر أنظمة المراقبة المتقدمة قراءات فورية للعلامات الحيوية، وتنبه الفريق الطبي عند حدوث أي تغيرات غير طبيعية. أما الذكاء الاصطناعي، فيُستخدم في تطوير أدوات تحليلية تساعد الممرضات على:
• توقع التدهور السريري للمريض بناءً على تحليل كميات هائلة من البيانات.
• أتمتة بعض المهام الروتينية، مما يمنح الممرض وقتاً أكبر للرعاية المباشرة.
• تقديم رؤى سريرية مدعومة لاتخاذ قرارات علاجية أكثر استنارة.
3. التمريض عن بُعد وتطبيقات الصحة المتنقلة (Tele-nursing and m-Health)
ساهم التمريض عن بُعد في توسيع نطاق الخدمات التمريضية لتشمل المناطق النائية والمرضى الذين يصعب عليهم زيارة المرافق الصحية، خاصة كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة. فمن خلال أجهزة المراقبة الصحية المنزلية (كمقاييس ضغط الدم والجلوكوز) وتطبيقات الصحة المتنقلة، يستطيع الممرض:
• متابعة حالة المريض عن بعد.
• إجراء تقييمات صحية افتراضية.
• تعديل خطة العلاج والتأكد من التزام المريض بالأدوية.
الخلاصة
إن عمل الممرض الحديث هو مهنة قائمة على الأدلة والتفكير النقدي، وتتطلب التزاماً مستمراً بالتعلم والتطوير المهني لمواكبة التطورات الطبية والتكنولوجية. الممرض المعاصر ليس مجرد منفذ للأوامر الطبية، بل هو عضو محوري وقائد فكري يعمل على تحقيق أعلى مستويات الجودة في الرعاية الصحية وتعزيز صحة المجتمع ككل، ودمجه للتقنيات الحديثة يؤكد على دوره في تشكيل مستقبل الرعاية الصحية.
د. مهدي حمزة منذور/ كلية التمريض / جامعة المستقبل/
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .
الهدف الثالث من اهداف التنمية المستدامة -الصحة الجيدة والرفاه
The Third Goal of the Sustainable Development Goals – Good Health and Well-being