الماء سر الحياة والرياضة بوابة للحفاظة علية
م.م. امير فرحان الحسناوي
الماء هو سر الحياة، فهو العنصر الذي لا يمكن الاستغناء عنه في بقاء الإنسان والكائنات الحية، وهو أساس الزراعة والصناعة والصحة العامة، بل هو المحرك الخفي لكل نشاط يومي نقوم به. ومع تزايد التحديات البيئية مثل التغير المناخي، التصحر، والنمو السكاني، أصبح الحفاظ على المياه قضية عالمية تتطلب تضافر الجهود من مختلف القطاعات. ومن بين هذه القطاعات، تبرز الرياضة كأداة غير مباشرة لكنها فعالة في تعزيز الوعي البيئي وتطبيق استراتيجيات عملية للحفاظ على المياه، سواء في المنشآت الرياضية أو في سلوكيات الرياضيين والجماهير. فالرياضة ليست مجرد منافسة أو ترفيه، بل هي منصة جماهيرية ضخمة يمكن أن تتحول إلى بوابة للتغيير الإيجابي في المجتمع، ومن هنا تأتي أهمية الربط بين الرياضة والحفاظ على المياه.
إن الملاعب والمسابح وصالات التدريب تستهلك كميات كبيرة من المياه، سواء في الري أو التنظيف أو الاستخدام المباشر، لكن الابتكار في هذه المنشآت يفتح المجال لتقليل الاستهلاك عبر أنظمة ري ذكية تعتمد على الاستشعار والرطوبة، أو عبر إعادة استخدام المياه الرمادية الناتجة عن الاستحمام والمغاسل لري المساحات الخضراء. بعض الملاعب الحديثة استبدلت العشب الطبيعي بالعشب الصناعي لتقليل الحاجة إلى الري المستمر، بينما المسابح الأولمبية التي تحتاج إلى آلاف الأمتار المكعبة من المياه يمكن أن تقلل استهلاكها بنسبة تصل إلى سبعين بالمئة باستخدام أنظمة إعادة التدوير والترشيح. كما أن الرياضات المائية الطبيعية مثل التجديف والسباحة في الأنهار والبحيرات تعزز الوعي بأهمية حماية مصادر المياه من التلوث، والتكنولوجيا الحديثة ساعدت في تطوير أجهزة قياس الجودة المائية التي تقلل الهدر وتحافظ على صحة الرياضيين
ولا يقتصر الأمر على الجانب التقني، بل يمتد إلى السلوكيات الفردية والجماعية، فعندما يتبنى الرياضيون سلوكيات ترشيد المياه مثل تقليل وقت الاستحمام أو استخدام أدوات موفرة، فإن الجماهير تتأثر بهم إيجابياً، وتنظيم فعاليات رياضية تحمل شعار الحفاظ على المياه يعزز الوعي الجماعي ويحفز المشاركين على تبني ممارسات مستدامة. كما أن إدخال موضوعات الحفاظ على المياه ضمن المناهج الرياضية في المدارس يرسخ قيم الاستدامة منذ الصغر، ويجعل الرياضة أداة تربوية إلى جانب كونها نشاطاً بدنياً. الرياضيون كنماذج يُحتذى بها يمكن أن يصبحوا سفراء للبيئة، والجماهير التي تعد بالملايين يمكن أن تتحول إلى قوة مجتمعية داعمة لترشيد المياه إذا تم توجيهها بشكل صحيح
ومن الناحية العلمية، أصبح الباحثون يقيسون حجم المياه المستهلكة في الأنشطة الرياضية عبر دراسات البصمة المائية لتطوير حلول عملية، كما أن الاتحادات الرياضية العالمية مثل الفيفا واللجنة الأولمبية الدولية بدأت في تبني سياسات بيئية صارمة تتعلق بالمياه، والجامعات تستغل المنشآت الرياضية لإجراء تجارب على تقنيات ترشيد المياه، مما يجعل الرياضة منصة بحثية مهمة في هذا المجال. هذه الدراسات لا تقتصر على الجانب النظري، بل تقدم حلولاً عملية يمكن تطبيقها في الملاعب والصالات الرياضية، مثل أنظمة إعادة التدوير، تقنيات الري بالتنقيط، واستخدام مواد بناء صديقة للبيئة تقلل من استهلاك المياه في الصيانة.
أما على مستوى المجتمع، فإن المسؤولية المجتمعية للأندية الرياضية الكبرى تتجلى في تنظيم حملات توعية حول أهمية الحفاظ على المياه، والجماهير يمكن أن تصبح سفراء لترشيد المياه إذا تم توجيههم عبر الرياضة، وحتى الرياضة الشعبية البسيطة مثل كرة القدم في الأحياء يمكن أن تكون وسيلة لنشر ثقافة الحفاظ على المياه. الرياضة الشعبية تمتاز بانتشارها الواسع وتأثيرها المباشر على الفئات العمرية المختلفة، مما يجعلها أداة فعالة في ترسيخ قيم الاستدامة في الحياة اليومية. ومن خلال هذه الأنشطة يمكن تعزيز مفهوم أن الحفاظ على المياه ليس مسؤولية الحكومات وحدها، بل هو واجب جماعي يشمل كل فرد وكل مؤسسة.
وعلى الصعيد العالمي، تساهم الرياضة في تحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة وهو المياه النظيفة والصرف الصحي، كما أن المبادرات العالمية مثل "الرياضة من أجل المناخ" تربط بين الرياضة والحفاظ على الموارد الطبيعية، وتتكامل مع السياسات الحكومية في إدارة الموارد المائية. الرياضة هنا تتحول إلى جسر بين السياسات العالمية والممارسات المحلية، فهي قادرة على أن تكون أداة للتغيير الاجتماعي والبيئي في آن واحد. إن دمج الرياضة مع مبادئ الحفاظ على المياه يفتح آفاقاً جديدة نحو مستقبل أكثر استدامة، حيث تصبح الملاعب والصالات الرياضية ليس فقط أماكن للتنافس والمتعة، بل أيضاً منصات للتغيير الإيجابي وحماية البيئة.
الخلاصة أن الماء هو سر الحياة، والرياضة يمكن أن تكون بوابة للحفاظ عليه من خلال الابتكار في المنشآت، تعزيز الوعي بين الرياضيين والجماهير، دعم البحث العلمي، وتكامل الجهود المجتمعية والعالمية. الرياضة ليست بعيدة عن القضايا البيئية، بل هي في قلبها، وهي قادرة على أن تكون جسراً بين الإنسان والطبيعة، بين المتعة والمسؤولية، وبين النشاط البدني والحفاظ على الحياة نفسها. إن النظر إلى الرياضة باعتبارها أداة للحفاظ على المياه يغير من مفهومنا التقليدي عنها، ويجعلها جزءاً من الحلول العالمية لمشكلة ندرة المياه، وبذلك تصبح الرياضة وسيلة لتحقيق التوازن بين متعة الإنسان وواجباته تجاه البيئة، وبين المنافسة والوعي، وبين الحاضر والمستقبل.