يتميّز ما يُعرف بالنظام الغذائي الغربي باحتوائه على كميات عالية من الدهون المشبعة والكربوهيدرات المُكرّرة. ويرتبط الإفراط في استهلاك هذا النظام الغذائي ليس فقط بتطوّر السمنة، بل أيضًا بتراجع الوظائف المعرفية العامة، والانحدار المعرفي، وزيادة خطر الإصابة بالخرف.
تُعدّ الأطعمة الغنية بالدهون والسكريات عالية التأثير على نظام المكافأة في الدماغ، ويؤدي الإفراط في تناولها إلى تغيّرات طويلة الأمد في مناطق دماغية تشارك في التعلّم والذاكرة والمكافأة. ويُعتقد أن هذه التغيّرات تسهم في تعزيز فرط الاستهلاك من خلال زيادة السلوكيات الساعية للحصول على الطعام. علاوة على ذلك، تبدو التغيّرات التي يُحدثها هذا النظام الغذائي في المناطق الدماغية الضرورية للتعلّم والذاكرة وضبط السلوك أكثر شدّة في الدماغ غير الناضج.
تشمل آليات اللدونة العصبية (Neuroplasticity) التي تقوم عليها التغيّرات المعرفية والسلوكية، وبشكل خاص، التغيّرات العصبية في كلٍّ من الحُصين (Hippocampus) والقشرة الجبهية الأمامية (Prefrontal Cortex – PFC)، وهما منطقتان أساسيتان في ترميز الذكريات وضبط السلوك، إضافة إلى اللوزة الدماغية (Amygdala) والنواة المتكئة (Nucleus Accumbens)، وهما منطقتان معنيّتان بمعالجة المكافأة والسعي للحصول عليها.
إن وفرة الأطعمة المستساغة في البيئات الحديثة تسهم في الإفراط في تناولها، وزيادة الوزن، والتقدّم نحو السمنة. وقد درس كينديغ وزملاؤه ما إذا كانت سلوكيات البحث عن الطعام لدى القوارض تختلف بين بيئة مرتبطة بالأطعمة السريعة (junk food) وأخرى تحتوي على العلف الاعتيادي. وكانت النتيجة المهمّة أن سلوك البحث عن الطعام في البيئة المرتبطة بالأطعمة السريعة أصبح غير مرن وقائمًا على العادة، في حين كان سلوك البحث عن الطعام في بيئة العلف الاعتيادي مرنًا وموجّهًا نحو الهدف. وقد توفّر هذه النتائج وغيرها رؤى جديدة حول المحدّدات البيئية للإفراط في الاستهلاك.
كما تسهم الخبرات المُجهِدة (الضاغطة) في تحفيز فرط الاستهلاك في اضطراب نوبات الأكل الشره (Binge-Eating Disorder – BED). فقد استخدم العلماء التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي (fMRI) بعد التعرّض لمُجهِد حاد (اختبار الضغط البارد)، ولاحظوا انخفاض الاستجابة التثبيطية للحُصين تجاه إشارات الطعام لدى النساء المصابات بأعراض اضطراب نوبات الأكل الشره.
أدّى استهلاك نظام غذائي غربي لدى الجرذان إلى تغيّر مستويات الناقل العصبي الدوبامين ونواتجه الأيضية المرتبطة به في الجسم المخطّط (Striatum) والحُصين، ممّا يشير إلى أساس آلي قد يفسّر كيفية تأثير هذه الأنظمة الغذائية في عمليات التعلّم والذاكرة المرتبطة بالطعام. كما بدأت الأدلة الحديثة تربط بين ميكروبيوم الأمعاء والاختلالات الحُصينية المرتبطة بالنظام الغذائي والتمثيل الغذائي. إذ تؤدي الأنظمة الغذائية العالية بالدهون و/أو السكريات إلى تغيير مستعمرات بكتيريا الأمعاء (الميكروبيوتا)، مما يزيد من نفاذية الأمعاء ويقلّل من سلامة الحاجز الدموي الدماغي. ويؤدي ذلك إلى زيادة قابلية دخول السموم من الدورة الدموية إلى الدماغ، وهو ما قد يشكّل أساسًا لحدوث الخلل المعرفي الناجم عن النظام الغذائي
بقلم الدكتوره د.زهراء طارق حسون
جامعة المستقبل الاولى على الجامعات الاهلية