أصبح دور النظام الغذائي في تطوّر الاضطرابات الاستقلابية التي تؤدي إلى الأمراض الالتهابية المزمنة أكثر وضوحًا، وذلك بفضل الأبحاث المكثفة التي أُجريت خلال السنوات الأخيرة. وتوجد أدلة وافرة تربط بين الأمراض الاستقلابية، مثل السمنة وداء السكري من النوع الثاني، وبين التغيّرات الغذائية، بما في ذلك زيادة استهلاك الأطعمة عالية السعرات الحرارية والمصنّعة بدرجة كبيرة وما تحتويه من مضافات غذائية، إلى جانب انخفاض استهلاك الفواكه والخضروات ومصادر الألياف الغذائية الأخرى. وتُعد هذه السمات من الخصائص الشائعة لما يُعرف بـ«النظام الغذائي الغربي».
تتميّز التغيّرات الاستقلابية باضطراب استقلاب الغلوكوز ومقاومة الإنسولين، مما يؤدي إلى تغيّرات في توافر الطاقة على مستوى الجسم، وحدوث استجابات التهابية مزمنة منخفضة الدرجة، وزيادة الإجهاد التأكسدي. وتُعد هذه السمات علامات أساسية للاختلال الاستقلابي المشاهد لدى مرضى السمنة والسكري، كما أنها عوامل معروفة تسهم في تطوّر الأمراض العصبية، بما في ذلك داء ألزهايمر، وداء باركنسون، وداء هنتنغتون.
يرتبط ارتفاع مؤشر كتلة الجسم (25–30 أو أكثر) بزيادة خطر الإصابة بالخرف بمقدار يتراوح بين ضعفين إلى ثلاثة أضعاف لدى البشر. ويُعزى هذا التأثير بشكل أساسي إلى فرط سكر الدم واضطراب الإشارات المعتمدة على الإنسولين، الأمر الذي يعزّز الالتهاب والإجهاد التأكسدي على المستويين الجهازي والجهاز العصبي المركزي، مما يؤدي إلى أذية العصبونات والخلايا الدبقية وتطوّر الاعتلالات العصبية التنكسية. إضافة إلى ذلك، فإن الاختلال الاستقلابي المزمن يزيد من خطر القصور المعرفي والخرف لدى مرضى السكري، نتيجة ازدياد الإجهاد التأكسدي المعتمد على الغلوكوز، ووجود نواتج الغلكزة المتقدمة، وحدوث الالتهاب، وضمور مناطق دماغية مثل الحُصين واللوزة الدماغية.
➢ محور الأمعاء–الميكروبيوم–الدماغ
يتكوّن الميكروبيوم البشري من مجموعة متنوعة من الكائنات الحية الدقيقة المنتمية إلى عدة شعب، والتي تعيش على الجلد والأنسجة المخاطية. ويضم الميكروبيوم المعوي على وجه الخصوص خمس شعب رئيسية وعدة أجناس ضمن نطاق البكتيريا الحقيقية (Eubacteria)، وهي: الأكتينوبكتيريا (مثل Bifidobacterium)، والبكتيرويديتس (مثل Bacteroides وPrevotella)، والفيرميكيوتس (مثل Clostridium وLactobacillus)، والبروتيوبكتيريا (مثل Escherichia)، وفيروكوميكرُوبيا (مثل Akkermansia). وتوجد درجة كبيرة من التباين في تركيب هذه البكتيريا بين الأفراد والمجتمعات، وتشير بعض التقديرات إلى وجود أكثر من 1000 نوع بكتيري محتمل ضمن مجموعات سكانية محددة.
أصبحت أهمية الميكروبيوم في تعديل الاستقلاب واضحة من خلال دراسات تناولت المعايير الكيميائية الحيوية المرتبطة بتحمّل الغلوكوز وإنتاج الإنسولين في فئران خالية من الجراثيم، إضافة إلى أدلة أخرى ناتجة عن دراسات التغيّرات في القابلية للإصابة بالسمنة لدى الحيوانات السمينة والنحيلة وراثيًا عند تعديل الميكروبيوم لديها. وفي الوقت الحاضر، يُعرف أن الميكروبيوم يشارك في تنظيم العديد من العمليات الفيزيولوجية، بما في ذلك توازن الطاقة وتطوّر ووظائف الجهاز المناعي، حيث إن التغيّرات في تركيبه ووظائفه تؤثر في نشوء وتطوّر العديد من الأمراض.
يُعد الميكروبيوم الموجود في الجهاز الهضمي مكوّنًا أساسيًا من مكوّنات الاستقلاب الجهازي، إذ تلعب البكتيريا التي يحتويها دورًا مهمًا في امتصاص المغذّيات وتصنيع العديد من المستقلبات ذات الأهمية لصحة الإنسان، بما في ذلك الدهون، والأحماض الأمينية، والفيتامينات، والأحماض الصفراوية، والأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، إضافة إلى منتجات بكتيرية خاصة مثل الببتيدوغليكان والليبوبوليسكريدات.
ولا يزال دور الميكروبيوم المعوي في استقلاب الطاقة لدى الإنسان قيد البحث والدراسة. وقد اقتُرح أن بعض الأجناس البكتيرية تستجيب لتوافر الطاقة في الجسم أو لمحتوى السعرات الحرارية في النظام الغذائي، إذ تُظهر الفئران والبشر المصابون بالسمنة زيادة في نسبة بكتيريا الفيرميكيوتس ونقصًا في بكتيريا البكتيرويديتس في الأمعاء. وتنعكس هذه المستويات عند اتباع نظام غذائي منخفض السعرات الحرارية أو عند فقدان الوزن، سواء عن طريق تقليل السعرات أو من خلال الإجراءات الجراحية. إضافة إلى ذلك، فإن الفئران الخالية من الجراثيم التي يُعاد تكوين ميكروبيومها باستخدام بكتيريا مأخوذة من حيوانات سمينة تكتسب وزنًا وكتلة دهنية أكبر مقارنة بتلك التي أُعيد تكوين ميكروبيومها ببكتيريا من حيوانات نحيلة، مما يشير إلى أن الميكروبيوم المعوي يلعب دورًا مهمًا في تنظيم استقلاب الطاقة لدى المضيف.
بقلم الدكتوره زهراء طارق حسون
جامعة المستقبل الاولى على الجامعات الاهلية