علي حسين
عندما يصل المريض إلى عيادة طبيب الأسنان وهو يعاني من ألم أو مضاعفات متقدمة، يكون المرض قد قطع شوطاً كان بالإمكان إيقافه مبكراً. من هنا تنبع أهمية الوقاية قبل العلاج، ليس كمفهوم نظري، بل كفلسفة عمل تُعيد تعريف العلاقة بين الطبيب والمريض، وبين المرض والصحة.
الوقاية في طب الأسنان تعني التدخل في الوقت الصامت للمرض، أي قبل ظهور الأعراض الواضحة. فالتسوس، وأمراض اللثة، والتغيرات المرضية في أنسجة الفم تبدأ غالباً دون ألم، وتتطور ببطء حتى تصل إلى مراحل يصعب علاجها. إن الفحص الدوري، والمتابعة المنتظمة، والتقييم المبكر للمخاطر، تمثل أدوات أساسية لقطع هذا المسار قبل أن يتحول إلى مشكلة علاجية.
ولا تقتصر الوقاية على الإجراءات السريرية فقط، بل تمتد إلى السلوك اليومي للمريض. فطريقة تنظيف الأسنان، والنظام الغذائي، والعادات الصحية، جميعها عناصر تشارك في رسم مستقبل صحة الفم. وهنا يبرز دور طبيب الأسنان كموجّه صحي، يشرح ويقنع ويبني وعياً طويل الأمد، بدلاً من الاكتفاء بالتدخل العلاجي المؤقت.
على مستوى النظام الصحي، تشكّل الوقاية استثماراً حقيقياً، إذ تقلل من استنزاف الموارد، وتحدّ من الحاجة إلى العلاجات المعقدة، وتخفف الضغط على العيادات والمؤسسات الصحية. أما على المستوى التعليمي، فإن غرس مفهوم الوقاية في عقول طلبة طب الأسنان يخلق جيلاً من الأطباء الذين يفكرون بمنطق الاستدامة الصحية لا بمنطق الإصلاح بعد الضرر.
في النهاية، الوقاية قبل العلاج ليست خياراً إضافياً في طب الأسنان، بل هي الطريق الأكثر عقلانية وإنسانية للحفاظ على صحة الفم، وتحقيق توازن بين جودة الرعاية، ووعي المريض، واستدامة النظام الصحي.