أ.د حيدر علي الدليمي
كلية العلوم الادارية
يُعدّ التعليم الجيد أحد المرتكزات الأساسية للتنمية المستدامة، لما له من دور محوري في بناء الإنسان وتمكينه علميًا ومهنيًا، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على تحقيق الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة المتمثل في تعزيز النمو الاقتصادي المطّرد والشامل والمستدام، وتوفير العمل اللائق والمنتج للجميع. فالعلاقة بين التعليم وسوق العمل علاقة تكاملية، إذ يمثّل التعليم الجسر الذي يربط بين إعداد الأفراد واحتياجات الاقتصاد الوطني.
يسهم التعليم الجيد في تزويد الطلبة بالمعارف والمهارات الأساسية التي تؤهلهم للاندماج الفعّال في سوق العمل، سواء من خلال إكسابهم المهارات التخصصية المرتبطة بمجالاتهم العلمية، أو من خلال تنمية المهارات العامة مثل التفكير النقدي، والعمل الجماعي، وحل المشكلات، والقدرة على التكيّف مع المتغيرات المتسارعة في بيئة العمل. وهذه المهارات تُعدّ من المتطلبات الرئيسة لسوق العمل الحديث، وتسهم في رفع إنتاجية الفرد والمؤسسة على حد سواء.
كما يؤدي التعليم دورًا مهمًا في تقليص فجوة البطالة، لا سيما بين فئة الشباب، عبر مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل. فكلما كان النظام التعليمي أكثر قدرة على استشراف متطلبات السوق، وتحديث مناهجه، وتعزيز الجانب التطبيقي والتدريب العملي، زادت فرص الخريجين في الحصول على وظائف لائقة ومستقرة، وهو ما ينسجم مع مقاصد الهدف الثامن في تحقيق عمالة كاملة ومنتجة.ومن الجوانب المهمة أيضًا أن التعليم الجيد يسهم في تعزيز ثقافة ريادة الأعمال والعمل الحر، من خلال تشجيع الطلبة على الابتكار والمبادرة، وتزويدهم بالمعرفة اللازمة لإطلاق مشاريع صغيرة ومتوسطة. وتمثّل هذه المشاريع رافدًا أساسيًا للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، خاصة في الاقتصادات النامية، فضلًا عن دورها في تنويع مصادر الدخل وتعزيز الاستدامة الاقتصادية.
وتبرز هنا أهمية مؤسسات التعليم العالي، ولا سيما كليات العلوم الإدارية والاقتصادية، في إعداد كوادر قادرة على قيادة سوق العمل بكفاءة ومسؤولية. إذ يقع على عاتق هذه المؤسسات تطوير برامجها الأكاديمية بما يواكب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وتعزيز الشراكات مع مؤسسات القطاعين العام والخاص، وتوفير فرص التدريب والتطبيق العملي التي تسهم في ربط الجانب النظري بالواقع المهني.
كما يسهم التعليم في ترسيخ مفاهيم العمل اللائق، مثل احترام حقوق العاملين، وتعزيز بيئات العمل الآمنة، والمساواة في الفرص، وهو ما ينعكس إيجابًا على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. فالعامل المتعلم والواعي بحقوقه وواجباته يكون أكثر قدرة على الإسهام في التنمية، وأكثر التزامًا بالقيم المهنية والأخلاقية.
ختامًا، يمكن القول إن التعليم الجيد يشكّل الأساس الحقيقي لتحقيق الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة، إذ يمهّد الطريق نحو سوق عمل أكثر كفاءة وعدالة، ويعزّز النمو الاقتصادي المستدام. ومن هنا تبرز ضرورة الاستثمار المستمر في التعليم، وتطوير جودته ومخرجاته، بوصفه استثمارًا استراتيجيًا في الإنسان، وهو الاستثمار الأكثر قدرة على صناعة مستقبل اقتصادي مزدهر ومستدام.