م.م كرار محمد سماوي
المقدمة
شهدت أسعار الذهب خلال عام 2025 ارتفاعًا استثنائيًا، حيث تجاوزت الأونصة حاجز 4000 دولار لأول مرة في التاريخ، مسجلةً عوائد سنوية غير مسبوقة وصلت إلى أكثر من 60% في بعض الفترات. هذا الارتفاع لم يكن وليد الصدفة أو المضاربات العابرة، بل جاء نتيجة تفاعل معقد بين عوامل اقتصادية، نقدية، سياسية وجيوسياسية، بالإضافة إلى تحولات هيكلية في الطلب المؤسسي ودور البنوك المركزية، وتغيرات في العلاقة مع الدولار الأمريكي، وتطورات في تقنيات التعدين والطلب الصناعي.
يهدف هذا التقرير إلى تقديم تحليل شامل ومتكامل لأسباب ارتفاع أسعار الذهب في 2025–2026، مع استعراض التأثيرات على الأسواق العالمية والمحلية، خاصة في العراق والمنطقة العربية، بالإضافة إلى استشراف السيناريوهات المستقبلية حتى عام 2030. كما يتناول التقرير ديناميكيات العرض والطلب، دور البنوك المركزية، أثر التضخم، وضع الدولار الأمريكي، التوترات الجيوسياسية، التحليل الفني، استراتيجيات المستثمرين، والمقارنات التاريخية، مع التركيز على المصادر والبيانات الحديثة من المؤسسات المالية العالمية ومجالس الذهب.
أولاً: لمحة عامة عن ارتفاع سعر الذهب في 2025
شهد الذهب خلال عام 2025 أداءً استثنائيًا، حيث ارتفع بنسبة تجاوزت 60%، مسجلاً أكثر من 50 رقمًا قياسيًا جديدًا. تجاوز سعر الأونصة حاجز 4000 دولار في أكتوبر 2025، واستمر في تحقيق مستويات قياسية حتى نهاية العام، مدفوعًا بمزيج من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية، وضعف الدولار الأمريكي، وزيادة الطلب المؤسسي، ومشتريات البنوك المركزية.
بحسب تقارير مجلس الذهب العالمي والبنك الدولي، ارتفع الطلب على الذهب بنسبة 10% خلال الأرباع الثلاثة الأولى من 2025، مدفوعًا بتدفقات استثمارية قوية من صناديق الاستثمار المتداولة (ETFs) ومشتريات البنوك المركزية. كما سجلت صناديق الذهب تدفقات قياسية بلغت 80 مليار دولار في 2025، وهو ضعف الرقم القياسي السابق المسجل في 2020.
من المتوقع أن تستمر أسعار الذهب في مسارها الصاعد خلال 2026، مع توقعات المؤسسات المالية الكبرى بوصول السعر إلى نطاق 4500–5000 دولار للأونصة، وربما أكثر في السيناريوهات المتفائلة.
ثانيًا: العوامل الاقتصادية المؤثرة – التضخم ودوره في ارتفاع الذهب
التضخم العالمي والتحوط بالذهب
يُعد التضخم من أبرز المحركات التقليدية لأسعار الذهب. عندما ترتفع معدلات التضخم، تتآكل القوة الشرائية للعملات الورقية، فيلجأ المستثمرون إلى الذهب كملاذ آمن للتحوط من فقدان القيمة. في 2025، سجلت معدلات التضخم في الاقتصادات الكبرى (الولايات المتحدة، أوروبا، الصين) مستويات مرتفعة نسبيًا، حيث بلغ معدل التضخم في الولايات المتحدة 3%، مع توقعات باستمرار الضغوط التضخمية نتيجة السياسات المالية التوسعية وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء.
أدى هذا إلى زيادة الطلب على الذهب من المستثمرين الأفراد والمؤسسات، حيث ارتفعت حيازات صناديق الاستثمار المتداولة بالذهب بنسبة 41% في النصف الأول من 2025. كما أظهرت البيانات أن الذهب احتفظ بقيمته الشرائية في مواجهة التضخم، بل وتفوق على معظم الأصول الأخرى من حيث العائد السنوي.
• العلاقة بين أسعار الفائدة الحقيقية والذهب
ترتبط أسعار الذهب بعلاقة عكسية مع أسعار الفائدة الحقيقية (سعر الفائدة الاسمي مطروحًا منه التضخم). عندما تكون الفائدة الحقيقية منخفضة أو سالبة، تقل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب (الذي لا يدر عائدًا)، فيزداد الطلب عليه. في 2025، ورغم بقاء أسعار الفائدة الاسمية مرتفعة نسبيًا (4–4.25% في الولايات المتحدة)، إلا أن التضخم المرتفع أبقى الفائدة الحقيقية منخفضة، مما عزز جاذبية الذهب.
• أثر السياسات المالية والتجارية
ساهمت السياسات المالية التوسعية، وزيادة الإنفاق الحكومي، وارتفاع الديون السيادية في الاقتصادات الكبرى، في تعزيز المخاوف من التضخم المستقبلي، ودعمت الطلب على الذهب كتحوط ضد المخاطر المالية والنقدية.
ثالثًا: العوامل النقدية – دور البنوك المركزية وسياسات الفائدة
• مشتريات البنوك المركزية
شهدت السنوات الأخيرة أكبر موجة شراء للذهب من قبل البنوك المركزية منذ سبعين عامًا، حيث تجاوزت المشتريات السنوية 1000 طن للعام الثالث على التوالي. قادت الصين وبولندا وتركيا والهند هذه الموجة، في إطار استراتيجية تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي، خاصة بعد العقوبات الغربية على روسيا وتجميد أصولها.
أفاد استطلاع مجلس الذهب العالمي لعام 2025 أن 95% من البنوك المركزية ترى في الذهب أصلًا استراتيجيًا للتحوط من المخاطر الجيوسياسية والتضخم، وتتوقع 73% منها انخفاضًا في حصة الدولار ضمن الاحتياطيات العالمية خلال السنوات الخمس المقبلة.
سياسات الفيدرالي الأمريكي وأسعار الفائدة لعبت قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي دورًا محوريًا في تحركات الذهب. ففي 2025، اتجه الفيدرالي إلى تثبيت الفائدة عند 4–4.25%، مع توقعات بخفضها تدريجيًا في الاجتماعات القادمة لدعم النمو الاقتصادي في ظل تباطؤ سوق العمل وتراجع مؤشرات التصنيع. كلما زادت التوقعات بخفض الفائدة، ارتفعت أسعار الذهب، والعكس صحيح. أثر السياسات النقدية العالمية لم يقتصر الأمر على الفيدرالي، بل اتبعت بنوك مركزية أخرى (كالبنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان) سياسات تيسيرية أو تثبيت للفائدة، مما عزز مناخ السيولة العالمية ودعم الطلب على الذهب.
رابعًا: العلاقة بين الدولار الأمريكي والذهب
العلاقة العكسية التقليدية تاريخيًا، تربط الذهب والدولار علاقة عكسية: عندما يضعف الدولار، يرتفع الذهب، والعكس صحيح. في 2025، سجل مؤشر الدولار الأمريكي أسوأ بداية سنوية له منذ 1973، متراجعًا أمام سلة العملات الرئيسية، ما عزز جاذبية الذهب للمستثمرين الدوليين.
أسباب ضعف الدولار تراجع الدولار جاء نتيجة عدة عوامل:
- توقعات خفض الفائدة الأمريكية.
- تصاعد العجز الفيدرالي الأمريكي وارتفاع الديون السيادية.
- تراجع الثقة في الدولار كعملة احتياط منفردة، خاصة بعد العقوبات على روسيا وتوجه الصين ودول أخرى لتقليص حيازاتها من السندات الأمريكية وزيادة الذهب.
أثر الدولار على الأسواق الناشئة
ساهم ضعف الدولار في زيادة الطلب على الذهب في الأسواق الناشئة (الصين، الهند، تركيا)، حيث أصبح الذهب أكثر جاذبية كمخزن للقيمة مقارنة بالعملات المحلية المتراجعة.